في الربيع الذي لا يشابه غير بلاغته، في الربيع الذي صعدت فوق ضحكته عربات النهار، محملةً بشهيق المزامير، مزحومةً بعواء النواعير بين الهواء، رأيت يدي تتأجج في رغوة الجلنار رأيت كلام تنفس قلبي بصبح العصافير، بين اندفاعاتها أتحول، أيضا لها أتجول في مائها.
لست أعرف كيف عدت أنا لأناي، لأول نبض تفتح بالبرق والرعد. مرتعشٌ كالصدى في صباي وتحت ينابيع جلد الندى أتصاعد في داخلي وأرى.
إنها اللغة السيدة
بين عين ونظرتها تتمدد مثل صهيل الخرافة
بالبحر تخلط شط رياح دمي بجناح فمي
صدرها شاهق بالقناديل، كالماء قبل التدفق
قلت لها: موحشٌ صوت صدري وقاحلة لحظتي
والحكايات مقفلة بابها.. امنحي طاقة الفعل من يحتاج للفعل
أو اكسري كل هذا اليباس.. انزلي في دمي افترسيني كما يفعل الافتراس
سحبت كل جذر السماوات، رمانة الشمس، رمل التصحر، صوت اهتزاز المجرات.
قالت: إليك. إليك. إليك. توهّج بما تشتهي
وتأجج كما ينبغي. انتشيت، رأيت النخيل تجدل كل عراجينها في يديّ
رأيت السماء تنوّم أطفالها وتجيء إلي.. رأيت المراكب تغادر كل البحار وترسو على طرفي
رأيت الكواكب.. إن شاهدتني أرى في البعيد وميض الحروف
تشد من الجهتين كلامي وتصرخ مثل الحديقة في الصدر
دعني أركز دعني أ...
في صباح سنابلنا الصاعدة.. كالغزال تقود سمائي إلى النوم في صدرها
واحتساء ربيع الأنوثة من نهرها.. بالحنان الأليف الغموض
بين حرف يجيء بماء وطين.. وحرف يضيء كهوف الشرايين
كان يصهّد قلبي.. وينهّد أطرافها بالكلام الذي لا يتاح
وحرفٍ تردد في الانزياح... أمد لها إصبع الحلم، تصعد فوق اللهاث
تمد بطاقة فعل الحديقة رعشة عشبٍ
يواجه عزف المطر.. ويمنحه وترا ناقصا
لا شيء يشبه عزف هذا الوتر
هي اللغة الشاهدة
هي الحرف قبل صلاة الحروف هي الغمد قبل انتصاب السيوف
هي الشهقة الصاعدة في السماء تمشط حقل أنوثتها
أتذوق إيقاعها بالأصابع أعزفها جملة جملة
تتفتح أنوارها في دمي فأتوه كأني انبهار الكواكب بالانفلات السديمي
مبلولة فرحتي بمشاعرها أنا جملة منذ تفاحة آدم تحلم أن تتشكل في نبضها
داهمتني أعاصيرها تعلمت كل اللغات وظلت كما كانت الأمس بين العروق
هي اللغة الواحدة.