من أهم وأعظم واجبات المفكرين والمصلحين في أي زمان ومكان هو التصدي للخرافات والبدع الضالة وتصحيح مسار الفكر المنحرف ومقاومة التقاليد البالية التي ترسخت جذورها في المجتمع، وتنقية العقل الجماعي من الشوائب العالقة فيه عبر تعاقب العصور، من خلال نشر الوعي الحضاري والدعوة إلى التحديث ومواكبة التطورات المعاصرة، فمن دون محاولاتهم الدائبة وعملهم المستمر لتوعية الناس وتثقيفهم بالآثار الضارة لهذه العادات المتخلفة التي أصبحت في كثير من المجتمعات الإسلامية ظاهرة اجتماعية وثقافية راسخة يصعب التخلص منها.. وقد ظهر في البلدان الإسلامية كثير من المصلحين والمجددين وعلماء الدين الذين أعادوا للإسلام وجهه الناصع وأزالوا عنه البدع والخرافات التي لحقت به عبر قرون، ومن أهم وأعظم هؤلاء المجددين المعاصرين قاطبة «محمد بن عبدالوهاب» الذي سارت المملكة العربية السعودية على نهجه الإصلاحي وقدمت أنموذجا رائعا في مواجهة ظاهرة البدع والتخريفات الباطنية وأصحاب المذاهب الباطلة، والأفكار الدخيلة الوافدة التي لا تمت إلى الإسلام بصلة، ومن نعم الله العظيمة على الحرمين الشريفين وعلى المسلمين جميعا أن هيأ الله سبحانه لهم وللمملكة الرشيدة قيادة مؤمنة حكمت بروح الإسلام وجوهر الشريعة السمحاء، وعلى هدي رسول الله والأئمة الأطهار الذين كان لهم الفضل في إبقاء الإسلام على صفائه ونقائه وتمام كماله، فقاوموا البدع وحاربوا الضلال، ودافعوا عن الإسلام الصحيح، فلولاهم لاقتصر الإسلام على بعض الطقوس التعبدية الضيقة، وأصبح دينا لاهوتيا غارقا في أفكار ميتافيزيقية فلسفية جامدة لا يمت إلى عالم الحقيقة بشيء، مجرد دين شعائري جاء لإشباع رغبات «باطنية» دفينة لفئة من الناس، كالبوذية أو الكونفوشيوسية أو أي دين آخر يهتم بالفلسفة الروحية والعبادات المجردة، فالأمة الإسلامية بأجمعها مدينة لهؤلاء المجددين الإصلاحيين «مفكرين وحكاما» إلى يوم القيامة، تصوروا ماذا كان يمكن أن يكون عليه حال المسلمين لو أن الله لم يقيض للأماكن الإسلامية المقدسة في السعودية، رجـالا شدادا مؤمنين يحكمون بالإسلام الصحيح، مثل أمـراء «آل سعود»؟ لا شك أن البدع كانت ستعلو رايتها والجهل ينتشر وتتحول ساحات الحرمين الشريفين إلى «سمعخانات»-كلمة تركية تعني مكانا لسماع الأناشيد الدينية- وتكايا لممارسة الدروشة والشعوذة وإقامة الموالد النبوية وضرب الأجساد بالأسياخ والسكاكين، ولعلت فيها أصوات النواح وأغاني «الرادودات» الشيعية والحفلات الصاخبة التي يعتبرونها من العبادات التي تقربهم إلى الله، ولتحولت شعائر الحج والعمرة إلى مهرجان للتطبير واللطم والبكاء.. و لأزيح جبل أبي القبيس من مكانه وتحول إلى أرض جرداء من كثرة تقطيع أحجاره وأخذها للتبرك بها، ولكن -بحمد الله- شيئا من هذا لم يحدث، ولن يحدث، لأن الله سبحانه قد سلم أمانته لأيد أمينة وقوية، قادرة على حفظ الأماكن المقدسة، وهو العليم الخبير
وبفضل هؤلاء المجددين وأصحاب العقول النيرة من أهل السنة تخلص الإسلام من عادات منحرفة إلى حد كبير، وبجهودهم انحسر مد الفكر الخرافي وتوقف عن التمدد والتوسع، فبعد أن كانت المدارس الصوفية بمناهجها الفكرية المختلفة والتكايا لممارسة طقوسات الدروشة والكتب المليئة بـ»الإسرائيليات» وقصصها الخرافية، منتشرة في مشارق العالم الإسلامي ومغاربه أصبحت اليوم خالية منها إلى حد بعيد، ولم يعد لهذه العادات الخرافية وجود يذكر على أرض الواقع وخفت بريقها وقل نشاطها..
وأمام التقدم الكبير الذي شهده المجتمع السني في القضاء على البدع والخرافات التي ترسخت فيه، لم يستطع علماء الشيعة ومراجعهم ومفكروهم مسايرة أهل السنة في هذا المجال، بل وقفوا عاجزين عن زحزحة البدع والأفكار الخرافية عن مذهبهم، بل لزموا الصمت المطبق ولم يحركوا ساكنا إزاء ما يتعرض له مذهبهم من غزو متواصل من عادات وتقاليد غريبة ما أنزل الله بها من سلطان وخاصة بعد النجاحات السياسية الكبيرة التي أحرزوها في إيران والعراق..
والنتيجة أن الشيعة ظلوا يستقطبون عادات وبدعا مختلفة وافدة، ويضفون عليها طابع التقديس بمرور الزمن، فهم لم يكتفوا بالعادات الموجودة عندهم مثل اللطم والبكاء والتطبير وإقامة الطقوسات الدينية التي لا حصر لها، بل أضافوا إليها عادات جديدة مثل المشي على الجمر وتقديس القبور والزحف على البطون والمشي لمسافات طويلة «مئات الكيلومترات» من غير مسوغ شرعي ولا إنساني والضرب بالسلاسل والزنجير والسيوف وأخيرا وليس آخرا شعيرة «ركضة الطويريج»..
أدعو مراجع الشيعة ومصلحيهم أن يبادروا إلى تنقية مذهبهم من البدع والخرافات التي علقت به وهي كثيرة، لا تعد ولا تحصى وخاصة تلك المدعومة بالأحاديث الموضوعة التي رويت على لسان «جعفر الصادق»..
ربما سيتغلبون بعملهم هذا على كثير من المعوقات التي تعرقل الدعوة إلى التقريب مع السنة وإنهاء الصراع التاريخي المرير بينهما.