قد يتشكل ظلم الجماهير من خلال أفراد أو مجموعات، ولكنه يتشكل بصورة أكثر تنظيمًا عن طريق الأفكار والنظريات التي تأخذ طريقها إلى من يتبنونها مع تباين المكان والزمان، ومع أن معظم الفلاسفة والمنظرين منذ القدم حرصوا على أن تكون نظرياتهم باعثة على الاستقرار والتوازن والنماء، وهذا ما لا يتحقق إلا بإعطاء الجماهير حقوقها، إلا أن بعضهم كان ممثلًا جيدًا لدور الشيطان في إفساد العلاقة بين شرائح المجتمع، إنهم أسوأ الفلاسفة والمنظرين وأكثرهم خطرًا على الفكر الإنساني الخلاق.
وللتمثيل على ذلك سنلحظ قائمة شر طويلة، لكني سأشير إلى نموذجين لمنظرين اثنين، وقعا في محظور التحريض على الجماهير وظلمهم، يتفق المنظران في كونهما أستاذين معروفين في حقل التاريخ، ولعلهما كانا خاضعين لإلحاح شخصي أو ظرف اجتماعي قاداهما إلى هذا النوع من التأليف، ويختلف الكتابان في المنهج إذ يميل الأول إلى أسلوب النصح والتوجيه المباشر مع دعم للأفكار بأحداث تاريخية سابقة، وينحو الآخر إلى العلمية الصارمة في تناوله، من خلال منهج استقرائي دقيق يستحق الاحترام.
ألف الباحث الإيطالي ميكيافيللي كتابه “الأمير” في القرن السادس عشر الميلادي، وتضمن الكتاب كثيرًا من الإشارات التي تهاجم الجماهير وتنتقدهم، إذ يفترض المؤلف أنهم سيئون، لأنهم يذعنون لساداتهم بإراداتهم، على أمل تحسين أحوالهم، ونصح أميره بأنه سيكون في حاجة دائمة إلى حب الناس حتى يستطيع السيطرة على بلادهم مهما كانت قوة جيشه، ومن أوصافهم لديه أنهم ينكرون المعروف، ويحبون المراوغة في الحديث، وهم حريصون على تجنب الخطر، راغبون في الكسب، هم أعوان طالما استفادوا، ولكن حين تقترب الأخطار ينقلبون، ووصفهم بالمقلدين، لأنهم يسيرون في الدروب التي طرقها غيرهم، وهم قابلون للتمويه والخداع، وعلى استعداد لقبول أي أمر واقع، ومن يخدعهم سيجد من بينهم من يقبل أن ينخدع بسهولة.
أما الآخر فهو الفرنسي غوستاف لوبون الذي ألف كتاب “سيكولوجية الجماهير” في أواخر القرن التاسع عشر. ويرى بعض الدارسين أن كتاب لوبون امتداد واضح لكتاب “الأمير”، لكنه كان أكثر دقة في منهجه، وبحث فيه عن التشكيلات اللا واعية للجماهير، وكيفية تدجينها، ولهذا استغل أسوأ استغلال في تعبئتهم، ويرى فيه أنه يجب التعامل معهم على أساس الفكر المبني على الصورة، لا الفكر المجرد، وكان متنبئًا بتنامي دورهم في العصر الحديث بعد أن قامت تلك الجماهير بدور مهم في الماضي، والفرق هو في أهمية دور تلك الجماهير وتفاعل العصر معها، وذلك تبعًا للعمل اللا واعي للجماهير، إذ إن الحسم في رأي لوبون ينبغي أن ينبثق من روح الجماهير التي ينبغي إدارتها بصورة جيدة لا من مجالس الحكام.
لم يكن كتابا ميكيافيللي ولوبون خاتمة خطاب الظلم الموجه نحو الجماهير ونهايته، كما أنهما لم يكونا مطلعه وبدايته، لكنهما كانا الأكثر ظلمًا للجماهير، من خلال فعل مباشر من الأول، وتأثير غير مباشر للآخر.