ليس لأحد أن ينكر أن العدالة الناجزة هي أفضل تطبيق لمفهوم العدالة، وأن التأخر في تحقيقها يخالف ذلكم المفهوم، فالمحاكم جزء لا يتجزأ من عملية إصلاح وتطوير مرفق القضاء، والذي هو السبيل الوحيد ليأخذ كل ذي حق حقه، وهو المرفق الذي يعول عليه - بعد الله جل وعلا - في حفظ الحقوق سواء كانت المادية منها أو المعنوية، وفض المنازعات والخصومات، ومنع الاعتداء على الأشخاص والممتلكات.
ومع تطور حياة الناس على كافة جوانبها، وتكدس معاملاتهم اشتدت الحاجة إلى قضاء نام وفعال، ليحتوي ذلك التطور بحيث لا يتحول ذلك إلى طريق وسبيل لضياع حقوق الناس وأموالهم، ومتى ما كان الوصول إلى القضاء واسترداد الحقوق سهلا وميسرا، كان ذلك الأولى به والأجدر.
وبفضل وتوفيق من الله تحقق ذلك الأمل المرجو في قضائنا، وذلك بتدشين منظومة المحاكم المتخصصة، ومباشرة محاكم التنفيذ ومحاكم الأحوال الشخصية، والمحاكم الجزائية لكامل اختصاصاتها، وما كان ذلك التدشين إلا مواصلة لجهود وخطوات سبقتها منذ وضع نواتها الأولى بتشكيلها دوائر متخصصة قضاء وقضاة، حيث أسهم ذلك في تحقيق معنى العدالة الناجزة وأرسى دعائمها والتي كانت ولا تزال حلم كل صاحب حق، حيث كان التقاضي في القديم يأخذ وقتا وجهدا ليحصل صاحب الحق على حقه، ولذا كان يضع خياره في أن يخسر بعضا منه مقابل حصوله على بعضه الآخر، ويرى أن ذلك خيرا له من أن يتداعى في قضية قد تكلفه جهدا ووقتا ومالا، وربما قد تكون غير مأمونة العواقب.
ولكنّ قضاءنا اليوم وضع بصمة للنهوض والارتقاء بهذا المرفق، والذي يدعونا للافتخار والاعتزاز بهكذا نموذج، نموذج لا يقبل الإغفاءة ولا أنصاف الحلول، حيث يواكب الزمن جاهدا إلى توفير السبل والمتطلبات لتحقيق ذلك المعنى الناجز للعدالة التي تكفل حفظ الحقوق، ورد المظالم، وردع الظالم، والأخذ على يد الجاهل. وأصبحت المعاملة التي كان إنهاؤها قديما بخطوات صارت بخطوة واحدة، وأصبح عمر التقاضي من سنين وجلسات، ليكون في كثير من القضايا بعمر الجلسة الواحدة.
وكما قيل بالمثال يتضح المقال، وما تجربة المحكمة العامة بجدة عنا ببعيد، فقد ضربت في ذلك خير مثال وأصدق برهان، حيث تظافرت فيها الجهود، وتم تفعيل دور القطاع الخاص في التبليغات، في عمل رائد ودؤوب للرقي إلى القمم، فأسهم ذلك أيما إسهام في مسابقة الزمن، وقفز الخطوات لتحقيق ذلك المعنى الناجز للعدالة.
وإنه لمن اللازم أن نعلم أن المجتمعات التي تسعى جاهدة للارتقاء بمرفق القضاء وتطويره، هي تلك المجتمعات التي تصون العدل والعدالة، وإن كانت الأخرى، فهي مجتمعات تضطرم بداخلها المشكلات وتتضاءل فيها مكانة القضاء، وتضيع فيها بعض حقوق الناس بسبب تقهقر مستوى القضاء.
لهذا كان حتما علينا أن نبارك تطوير مرفق القضاء، لأن ذلك يعكس مدى أهمية هذا المرفق في استقرار الأوطان والمجتمعات. وبدون التطوير والإصلاح المستمر لهذا المرفق قد تتقلص فعاليته الأمر الذي قد يحدث شرخا في مسيرة العدالة في مجتمعنا.

