كأني أسمع منادي الحرب ينادي، والطبول تقرع، والفرسان يتقدمون الصفوف، والرماح والسيوف مسنونة.

ليس المنادي الآن من يتجول بين البيوت ويؤذن بالحرب ليخرج لها الرجال، وليست الطبول التي نضرب بطونها ليعلم الجميع أننا في حالة استنفار، وليس الفرسان هم أشجع القوم وأمهرهم مبارزة، وليست الرماح والسيوف الأداة الحادة القاتلة.
المنادي في هذه الحرب هو الإعلام، والطبل فيها مؤشرات السوق، والفارس هنا المملكة العربية السعودية، ورمحها وسيفها الاقتصاد «البترول».
لست ممن عاش حربنا الاقتصادية في عام ١٩٨٥م. ولكن التاريخ علمني كيف كانت شرارة المعركة، وما هي تفاصيل الغارات، وكيف انتهت بالانتصار.
وها هو التاريخ يعيد نفسه بنفسه، الاقتصاديون غاضبون والسياسيون فرحون، وكأني أرى سياسيي واقتصاديي الحرب الاقتصادية الماضية وردود أفعالهم آنذاك.
ولكن هذه الحرب كبرت جغرافيتها، وخطرت علينا ردود فعلها، لا سيما ردة فعل القريب أكثر من البعيد، وهنا أقصد ردة فعل الجار الذي لم يكن كثير الحظ عندما قرر أن نكون أعداء بدلا من المحبة والتحالف.
طبول الحرب تُقرع من مصافي البترول السعودية بعد عزم السعودية ضخ البترول للعالم في حين تراجع أسعاره، وهذا سيؤثر سلبا بلا شك على الاقتصادين الإيراني والروسي لعدم مقدرتهما على مجاراة كمية الضخ السعودي بهذه الأسعار المتدنية، ولأن اقتصادهما أيضا قائم على البترول كأكبر مصادر الدخل لديهما.
موجة عدم رضا من الاقتصاديين السعوديين تجاه هذه السياسة الاقتصادية الحالية، وتفاؤل من المجتمع السياسي في الجهة المقابلة تجاه هذه السياسة الاقتصادية التي يعدّونها أقوى السياسات في عصر حروب الاقتصاد.
إيران دائما وأبدا تتقمص دور البطل الذي لا يتأثر، وفي الحقيقة تأثرت كثيرا كثيرا في الثلاثة أعوام الأخيرة من السياسة السعودية في المنطقة.
روسيا دولة خبيرة سياسيا واقتصاديا، وتعلم إذا اقترب الخطر منها دائما، وتحاول مسرعة البحث عن الحلول، وهو ما فعلته بعد تدخلها في أوكرانيا وغضب المجتمع الدولي عليها، وحينها بعثت رئيس وزرائها إلى السعودية لتكسب ودها اقتصاديا، وتأخذ الأمان من السعودية بعدم التلاعب بأسعار البترول وكميات ضخه.
ولكن الدولتين - إيران وروسيا - ما زالتا صديقتي اقتصاد لنا، وعدوتي سياسة، تأخذان مصالحهما وتعاندان في سياستهما، لا سيما تجاه ما حصل في المنطقة من زعزعة في السنوات القليلة الماضية.
ولهذا بدأت الصحف العالمية بتحليل ما يجري في سوق البترول العالمية، وأن السعودية هي الدولة الوحيدة القادرة على ضبط الأسعار وهي القادرة على التلاعب بها، وأن الانضباطية الأخلاقية السعودية تجاه العالم، هي السبب الرئيس في استقرار السوق البترولي، ولكن الاقتصاد سلاح لا يستهان به، بل هو السلاح الأهم في معارك عصر المادة.
أخيرا .. التوقعات الاقتصادية تقول بأن السعودية ستواجه عجزا في ميزانية هذا العام أو العام المقبل وستستمر حتى استقرار السوق، هذا أمر طبيعي جدا فالحروب دائما تورث الخسائر، ولكن الحروب الباردة أقل خسارة من غيرها، ولكن الحذر من ردود الأفعال العسكرية كما حدث من قبل لنفس الدوافع والأسباب.