المتعة التي يجلبها المبدع لنفسه من الكتابة هي ميزانه الأوحد وبوصلته الأمثل. بها تتمُّ للحواس تطرية، وللمخيلة والذائقة ترقية. آخرون سواه قد يشاركونه إياها، ولو بدرجة أقل؛ أما المتخلون عنه فلا يستطيع لهم شيئا، إذ لا وجهته وجهتهم، ولا سكرته سكرتُهم.
كل كاتبٍ أصيل، عليه أن يزهدَ في ذيوع الصيت ونيلِ “الشعبية”، إلا أن يأتـيَه ذلك من حيثُ لم يبحث أو يحتسِب، هبةً لا تُردّ ولا تُعمي الفؤادَ والبصيرة ولا تستلِب.
لا، ليس المبدع الحق من سلالة هؤلاء ولا من الذين يجلسون لاجتراح فعل الكتابة عن عمدٍ وسبق إصرار، تعلوهم سمات الاستكبار ومقادير فائضة من التصنع والافتعال في الحركات والنظرات، يتشح بها طوائف من الناثرين والشعراء. هيئتهم، بصراحة، تنفّرنه وأحيانا تضحك سنه، وكذلك غنائياتهم وبكائياتهم وغرامياتهم، علاوة على محسناتهم اللفظية والجُملية وحذلقاتهم البديعية...
لا، الكتابة حملٌ جوانيٌّ مديد، واختمارٌ شائكٌ عصيب، تليه وقتَ الوضع هزاتٌ وفوراتٌ وجدانيةٌ متناغمةُ الانسكاب والإيقاعِ والكثافة.
لا يستحق اسم الكاتبِ المبدع أو الفنان إلا من تدرب على حرث حقولٍ ثقافية شتى، بين شعلِ الشوق ووهجِ الإشراقات، وأنجزَ فيها تحفا ذاتَ جمالية متجردة، نابضة بجدةٍ حيَّةٍ غيرِ مألوفة. إنه إذا ما واجهته المواد السريعة الطبخ والتلاشي، نأى بنفسه هاربا منها، كأنـما هي وباء أو من طوالعِ الشؤمِ الجارح. ترياقه الأنجعُ والأبهى: فِكَرٌ نزّاعةٌ إلى بواطنِ الأشياء والمدى، تعشّقٌ للأقواتِ الروحية في الإبداعاتِ المتحاورةِ عبر الأزمنة والأمكنة، اشتغال فرح بطعمٍ للمطلق ملءَ الحواس والرأس؛ هذا كله وسواه هو ما قد يحفّزُ المبدع على فعلِ الإجادة باطراد، وقياسِ قوةِ منتوجه بحيويةِ المفهوم وجذريةِ الرؤيا والأسلوب.

