في تقرير مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، بالتعاون مع مؤسسة تومسون (رويترز) عن مؤشرات الأداء البحثي للمؤسسات العلمية في المملكة خلال الفترة من 2008-2012، تفوقت المملكة عربياً – بحسب التقرير- بـ(7000) بحث علمي، وبـ(200) براءة اختراع، وحفل نص التقرير بلفظة: (تفوقت) أكثر من عشر مرات. في سياقه التفصيلي والبياني للتخصصات العلمية التي توزعتها الجامعات السعودية.

ويستحق هذا التقرير التوقف عنده مليّا، ومقارنته بالواقع الذي نعيشه في بلادنا، وعلى صعيد المجالات الحيوية التي قُدمت فيها تلك الأبحاث، وسُجِّلت فيها براءات الاختراع. وقد توزعت تلك البراءات – وفق التقرير- على مجالات (تقنية المعلومات، والالكترونيات، وتقنية الاتصالات، والمواد، وتقنية البتروكيماويات).
وفي مجال البحث العلمي – ووفقاً للتقرير أيضاً- (حققت المملكة تقدماً ملحوظاً في حجم الإنتاجية الفكرية، خاصة في مخرجات التخصصات المرتبطة بعلوم الحياة، مثل: الأحياء، والعلوم السريرية، والطبية، والصحية).
ولأن لدينا سوابق لا تَسُر مع مسألة التفوق البحثي والعلمي، ولا سيما ما نُبشَّر به من لدن المؤسسات العلمية/(الجامعات)، تمنعنا من أن نطير به جذلاً وافتخاراً، حتى نتثبَّت ونتأكد من صحة المعلومة. ولا زلنا نذكر في هذا السياق بشارة مدير إحدى الجامعات قبل حوالي عشرين عاماً، عندما تحدث عن مخزون مائي نعوم فوقه، ويكفينا أربعمئة عام. وذلك في احتفال مهيب، صفق الحاضرون فيه لهذه البشارة العلمية، ثم كشفت الحقائق العلمية أننا مهددون بالظمأ.
أما مدير الجامعة الأخرى فبشَّرنا بـ(غزال) ودخول عصر صناعة السيارات، ولكننا لم نطر هذه المرة، بل طار الغزال، حتى قبل أن نأنس برؤيته ماشياً. لأن الأمر سرعان ما تكشِّفت حقيقته؛ ولم يكن أكثر من تفاؤل مفرط غير حذر بما نتمناه أن يكون. ولأننا لا نملك أدوات ذلك الـ(يمكن)، فقد تعلَّمنا من قصة (غزال، والماء) أن نكون حذرين من تقارير وبيانات وبشارات كهذه؛ ولا نشكِّك أبداً في مصداقية الجهات والمؤسسات التي تصدرها، ولكننا - في الآن ذاته - نعلم وندرك أن البحث العلمي في مجالات حيوية كالمشار إليها سابقاً- وفي الدول التي تؤمن بالبحث العلمي، وقد أقامت كيانه وأركانه وحدوده وشروطه، ثم صدَّرت تقاليده للدنيا بأسرها، وتعلمنا منها ماهيته وجوهره وكينونته - هو أساس بناء النهضة، وسبب سعادة الإنسان، ونافذة البشرية على الحياة، وإكسير بقائها وتنميتها وتطورها، ورفاهية شعوبها ومجتمعاتها. وهو مقياس عافية حاضرها، وسلامة مساره، وهو مسبار رؤيتها للمستقبل واستشراف ضروراته وتحدياته. وهو ميزان كفاءة الإنسان ومعيار فاعليته.
ولذلك.. نتساءل عن حقيقة ما أضافته هذه الأبحاث العلمية والاختراعات لحياتنا. ومكانها في واقعنا؟ والحيز الذي اتخذته من مشروعاتنا الوطنية: اقتصاداً وصحة وتعليماً، وخدمات أخرى؟
ونتساءل عن طبيعة العلاقة بين الكيانات المؤسسية الحكومية باختصاصاتها كافة، وبين مخرجات تلك الأبحاث والاختراعات؟
ونتساءل عن اختراع واحد منها، تجاوز مرحلة الدرس النظري والنتيجة العلمية النظرية كذلك، إلى مستوى الوجود والتحقق الفعلي في الواقع؟
ونتساءل عن المسافة بين البنية الشعارية للتقرير الموقر المحترم. وبين واقع ليست أصغر مظاهره المفجعة سقوط مواطن وابنه في حفرة لا قرار لها، إلا الموت، بسبب موت ضمير منفذ مشروعات، لا أظنه يوماً خطط ونفذ على ضوء منهج علمي، أو أخلاقي..؟
وليس أكبر مظاهره، مشاريع متعثرة، وأخرى مؤجلة، وثالثة مشوهة، لا تلبث الأيام أن تعري هشاشتها وعبثيتها؟
ونتساءل عن الإضافة العلمية التي قدمها بحث واحد من الـ(7000) بحث، في مجال (العلوم السريرية والطبية والصحية) كما جاء في سياق التقرير؟ أو في مجال (تقنية المعلومات، والاتصالات، والالكترونيات)؟
ولكي يكون لتلك البشارة (البحثية العلمية، والمخترعات الوطنية) ما يبررها أمام فهمنا وإدراكنا البسيط، فلا بد من توضيح ماهياتها ومآلاتها، والجدوى الفعلية لها. حتى لا تكون كطيبة الذِّكر الأبحاث التربوية التي قِّدمت في (أسباب الانطوائية والنفور النفسي لدى طلاب المرحلة المتوسطة – طلاب متوسطة ديك الجن نموذجاً).. ومشابهاتها ومتوالياتها من الأبحاث التربوية، التي ألفنا عناوينها وأُتخمنا بها حدّ السأم، واستمرت الانطوائية، واستمر النفور النفسي، وتطور إلى سلوك عدواني من بدهياته التي لا تفنى: ضرب التلاميذ للمعلمين... إلى آخر ما لديكم خبره من مستوى واقع التعليم لدينا.
وحتى لا تكون هذه.. كتلك، فنحن نريد أن نعرف ببساطة، إلى أي مستوى تقدمت بنا تلك الأبحاث والاختراعات في مجال البحث العلمي والاختراعات في العالم؟.