ربما أكثر من شنّع وندد بالحروب الدينية في أوروبا هو الفيلسوف الفرنسي الشهير فولتير، فكتب في أكثر من موضع عن حماقة هذه الحروب وفظاعتها، وتحدث كثيرا عن السبب الرئيس لهذه الحروب والذي يكمن في طموح رجال الدين وتحالفاتهم مع الملوك والأمراء الذين هم بدورهم استغلوا تلك النحل لتوسيع نفوذهم وإمبراطورياتهم. يقول في إحدى مقالاته: «الذي أثار هذه الخلافات السخيفة المميتة مصدر الخوف والرعب الشديد، إنهم الكهنة الذين يعيشون على كدكم وتعبكم في راحة وكسل، ويثرون على حساب كدحكم وبؤسكم، ويتنافسون على شراء الذمم واقتناء العبيد، ويوحون لكم بالتعصب المذموم، ليتمكنوا من سيادتكم والسيطرة عليكم، وينشرون بينكم الخرافات والأساطير لا لتخافوا من الله بل لتخافوهم وترهبوهم!».

وقد قدر فولتير عدد ضحايا الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت بعشرة ملايين إنسان! وهذا الرقم بلا شك كبير ونسبته عالية في تلك الفترة إذا ما قورن بعدد السكان آنذاك.
ومن الملاحظ أن الحروب الدينية والطائفية عادة ما تستعر في جو تغيب فيه الديمقراطية، فليس للشعوب أي قرار في إعلان الحرب أو الامتناع عن خوضها، ومن الملاحظ أيضا أن من يقرر خوض تلك الحرب أو النزاع الطائفي هم رجال الدين الذين يمسكون بزمام السلطة، وفي الغالب أيضا تجد مجتمعاتهم تعاني من غياب الحرية الدينية والاختلاف والتنوع الفكري والمذهبي. وليس هذا هو المؤلم وحده، بل إن المسعر للحرب الدينية هي الثقافة المؤدلجة التي تؤمن بنظرية سياسية ثيوقراطية تستمد شرعيتها من التراث الديني المتراكم والموغل في التخلف والتزمت، وتكفّر كل من يؤمن بنظرية سياسية مختلفة، وتغلف هذه الثيوقراطية أحيانا بلباس مدني يسعى لكسب أكبر قدر ممكن من الأتباع. هذه الثقافة الثيوقراطية التي يتم ضخها في المجتمعات التي تغيب فيها الديمقراطية تشكل برميل بارود من الممكن أن ينفجر في أي لحظة.
الآن وفي ظل استقطاب طائفي مقيت لم تشهد المنطقة له مثيل من قبل، يظل أكبر تهديد للمنطقة هو التعويل على القوى الطائفية لتحقيق أكبر قدر ممكن من الحضور على المشهد السياسي. وهذا الشعور الانتهازي يستغل بالطبع الهيمنة الأجنبية التي تغذي هذه الممارسات لشرذمة المجتمعات وتحقيق أكبر قدر من الهيمنة والنفوذ.
من المؤكد أن هذه الانتهازية محبطة ومكرسة للعصبويات وتكشف القناع المزيف لكل من يدعو للديمقراطية والتعايش والتسامح والاندماج الاجتماعي وهو في ذات الوقت ثيوقراطي الهوى والفكر. فهناك بون شاسع بين من يدعو إلى الديمقراطية للاندماج الاجتماعي وتكافؤ الفرص ومحاربة الفساد وتحقيق السيادة الوطنية ومحاربة النفوذ الأجنبي، وبين من يدعو للديمقراطية من أجل التمثيل العصبوي وتعزيز المكانة الاجتماعية لطائفته، فهذا التفكير الأخير المحاصصاتي ليس إيمانا مطلقا بهذه القيم العليا بقدر ما هو تفكير ذرائعي يطمح للوصول إلى المكانة والحضور بأي طريقة متاحة، والدليل على سقوط هذا التفكير الذرائعي هو التعويل على المليشيات المتطرفة وعلى النفوذ الأجنبي واللعبة الدولية التي تسعى لشرذمة المنطقة لغايات إمبريالية محضة.