لو كان الجدل حول البنوك السعودية، من الوجهة الدينية، جدلاً في مقاصد الأحكام ومضامينها، لكان التمييز بين البنوك وإصدار الأحكام عليها متضمناً مقاصد اجتماعية وإنسانية، أي مصالح ومنافع للناس لم يشرع الله الحلال والحرام في المعاملات بينهم إلا لضمانها، ودفع الظلم والاستغلال عنهم. ولو كان الاختلاف حول البنوك اختلافاً من أجل مقاصد تشريعية لما كان للتمييز بين من توافق معاملاته للحيل والمخارج والتسميات التي ابتكرها فقهاء الصيرفة اتقاء للربا المقطوع بحرمته، وبين غيرها من البنوك التقليدية أو التي لم تستكمل تسمية الفقهاء لها بـ»الإسلامية»، أهمية ما دامت التسمية أو الحيلة أو المخرج الفقهي لم يحقق مقصد الشريعة من تحريم الربا، وبقي التضييق على المعسرين، واحتكار المال، وانقطاع العمل الخيري وفعل المعروف في المجتمع.
لم تردع الأشكال التي سُمِّيت بـ»الإسلامية» من المعاملات والاستثمارات المصرفية، البنوك التي سعت إلى التوافق معها كلياً أو جزئياً، من أن تمارس بواسطتها أشكالاً من الاستغلال للمتعاملين معها. وهي أشكال لا يكاد أحد يجرؤ على استنكارها لأنها حصلت على البراءة الشرعية بحكم الهيئات الشرعية الموظَّفة في البنوك لهذا الغرض، وتم وصفها بالإسلامية. فالمواطن البائس الذي تضطره الحاجة –مثلاً - إلى قرض من أحدها، ليس له إلا ما تسميه «التورق الإسلامي» أي الحصول على كاش حلال. وصفة الإسلامي هذه تجعل الفائدة نتيجة للبيع الفوري لما تم شراؤه مؤجلاً من السلع الموقَّع عليها ورقياً، تصل إلى 12% لقرض مدة تسديده حوالي خمس سنوات.
ولا يقف الاستغلال للمواطن من البنوك التي تشرِّع لها هيئاتها الشرعية، عند ذلك، فالمودعون لأموالهم لديها يدخرونها من دون فوائد، لأن الفوائد في هذه الحالة محكوم عليها بالربا. لكن البنوك لا تبقيها عندها من دون إفادة منها ومتاجرة بها، وهي إفادة وفق تعاملات «إسلامية» تتزايد بها أرباح البنك واحتكاره. فلماذا
لا يحصل المودع على نسبة ربح «إسلامية» ما دام البنك يتاجر بوديعته ثم تعود عليه بمئات الملايين؟! وهي ملايين مضمونة على الرغم من منح أشكال المتاجرة بها صفة المضاربة، مثلما أن من المضمون للبنوك وجود ودائع لعملائها، لأنه
لا يوجد بطبيعة العصر مكان غيرها للإيداع، والشركات والإدارات الحكومية تطالب موظفيها بحسابات في البنوك لتحويل رواتبهم عليها... إلخ. وبإزاء هذا الاستغلال للمواطن، مودِعاً ومقترضاً، فليس للبنوك مناشط بر وإحسان وأعمال خيرية في المجتمع. لم نسمع –مثلاً - أن أحد بنوكنا أنشأ مستشفى خيرياً للفقراء، أو داراً للأيتام. ولم يتقدم أحد من البنوك ليعلن إسهامه بمشروع في مجال الإسكان أو التعليم أو البحث العلمي. كيف يمكن أن يستفيد المواطن من البنوك؟! إنه لا يستطيع الإفادة إلا عن طريق الاكتتاب في أسهمها، هذا هو الوجه الوحيد، وهو مقصد الموافقة السامية الكريمة على طرح أسهم البنك الأهلي للاكتتاب، الذي أثار جدلاً فقهياً لم يتطرق إلى جوهر المشكلة المصرفية. لو كان الجدل حول البنوك السعودية جدلاً حول امتيازها الإنساني والخيري، عن غيرها من البنوك الربوية، لكان جدلاً في الجوهر لا في الشكل، وفي الغاية لا في الحيلة.

