ما أحوجنا اليوم ونحن نتلمس مظاهر الوهن والتردي في حياتنا اللغوية ونعقد الندوات والملتقيات عن الضعف اللغوي والأمن اللغوي أن نثير موضوع سياسة اللغة وأن نفكر فيه.
فما اللغة بجميع أنماطها ومستوياتها إلا جانب من جوانب النشاط الثقافي الاجتماعي التي لا تستغني عن السياسة إن أُريدَ لها الترقي والقوة، وإلا فلو تُركت اللغة للحركة التلقائية والنمو العشوائي لأصبحت نهبَ الطبيعة وعرضةً لاختطاف القوى الثقافية الواعية، وهذه خلاصة حال «عربيتنا الفصيحة» الواقعة الآن بين نهب طبيعتنا العامية التي لم تصل بعدُ إلى مستوى ما سميتُه «الانتخاب اللغوي الحضاري»، واختطاف قوى الصراع الحضاري الواعية بالانتخاب الحضاري معنى وممارسة.
ولا شك أن من لا ينتخِب فسيكون موضوعا لمن ينتخِب، ومن ثم يتقوى المنتخِب على حساب دم المنتخَب وروحه، فيتطور الأول ويضمحل الآخَر.
أؤكد على أنه لا فصاحة لفظية دون فكر فصيح، واعتقادُ هذا ضلالةٌ كبرى شاعت في التراث الوسيط وما بعده، ولم يسلم من ظلامها إلا أعلام قليلون من أشهرهم عبدالقاهر الجرجاني.
وكنت أود أيضا الحديث عن الدور السياسي للقرآن في تكوين العربية الفصحى، إلا أني رأيت التقديم لهذا الغرض بعرض رؤية الفكر الغربي المعاصر في السياسات اللغوية استراتيجيةً من خلال تصور أحد أشهر المعنيين بهذا المجال وهو المفكر السياسي واللغوي الفرنسي لويس كالفي في كتابه عن السياسات اللغوية، بطريقة التلخيص والتعليق النقدي، ثم أتناول في حلقات تالية بعد الفراغ منه الأسسَ السياسية اللغوية التي وضعها الإسلام، وطُبقت من خلال القرآن والحديث، وُصولا إلى واقعنا اليوم وكيف يمكننا أن نفيد من سياسة القرآن وسياسات الخلفاء اللغوية، وأن نفيد بعدُ من السياسات اللغوية الحديثة في إصلاح مشكلاتنا اللغوية وترقية عربيتنا.
اللغويات السياسية
ينتمي موضوع هذا الكتاب إلى فرع من فروع علم اللغة الاجتماعي وهو اللغويات السياسية الذي عُرّف في المصادر بتعريفات متقاربة، منها أنه دراسة «مجمل الخيارات الواعية المتخذة في مجال العلاقات بين اللغة والحياة الاجتماعية، وبالتحديد بين اللغة والحياة في الوطن.
واتخاذ قرار بتعريب التعليم في المرحلة الجامعية يشكل خيارا في السياسة اللغوية، أما احتمال وضعه في هذا البلد أوفي ذاك فيشكل تخطيطا لغويا « (حرب اللغات والسياسات اللغوية 396.
التعريف للمترجِم حسن حمزة).
ويقول البعلبكي في تعريف السياسة اللغوية «نظرة الجهات الرسمية في دولة ما إلى اللغة أواللغات المستخدمة فيها - ولا سيما في التخطيط التقنيني، وفي الاعتراف بالصفة الرسمية للغة، وفي تعليم اللغات».
ويكثر في هذا العلم مناقشة مفاهيم حيوية كالثنائية اللغوية «استعمال الفرد لغتين مختلفتين، ويغلب استعمال المصطلح في اللسانيات النفسية» والازدواجية اللغوية « استعمال الفرد نوعين أومستويين ينتميان إلى لغة واحدة في الأصل، كالفصحى والعامية» والتعصير «جعل اللغة عصرية عن طريق الاقتراض أوالوضع للوفاء بأغراض العلوم الحديثة خاصة».
عرض ونقد
تحدث في الفصل الأول عن نشأة المفهوم وحقل تطبيقه، مبينا أنه ولد في سياق النضال ضد الإمبريالية، فقد ظهر في سنة 1959 على يد إينار أوجن عن دراسته المشكلات اللغوية للنرويج التي انعتقت توًّا من الهيمنة الدانمركية.
وفي مواضع لاحقة من الكتاب يبين مرات عديدة تصريحا وتلميحا إلى أن هذا العلم ترعرع في كنف الاستعمار الفرنكفوني خاصة، وأن فرنسا أفادت منه نظريا وتطبيقيا في التوسع اللغوي والثقافي في أفريقيا عامة ودول المغرب العربي خاصة.
والمؤلف نفسه فرنسي فرنكفوني وإن كان يحرص على إخفاء ذلك بالتزام الموضوعية والنقد المنهجي لسياسة بلده التوسعية، إلا أن نقده -عند التأمل- إنما هومن باب العتب والحرص على مصالح بلده لا من باب المعارضة السياسية أوالأيديولوجية! وبصدد تصور المشكلات اللغوية والتخطيط لعلاجها عن طريق برامج عمل لغوية سياسية محددة يذكر المؤلف بعض النماذج المتداولة في هذا، مثل نموذج أوجن الأول الذي قسمه على مراحل خمسة: المشكلة، أصحاب القرار، البدائل الخيارات، التطبيق (17 ـ 18).
وكمثل النموذج الأداتيّ الذي يتعامل مع اللغة بوصفها أداة لتوصيل الأفكار، وينقد هذه الرؤية الآلية للغة.
ومثل نموذج أوجن الثاني الذي حرص على التفريق بين تخطيط المتن وتخطيط المنزلة.
وينبه في ثنايا العرض على بعض القوانين السياسية في اللغة مثل أن التخطيط يستلزم الدولة؛ أي السياسة، وأن السياسة بلا تخطيط غير فعالة.
ويختم بأن المنظرين الأوائل من الأمريكيين أغفلوا الجانب الاجتماعي في التخطيط والتدخل اللغويَيْن، خلافا للغويين الأوروبيين الذين ألحوا على مسألة «الصراعات اللغوية»، مذكرا بأن السياسات اللغوية ليست بمنأى عن الأيديولوجيات.

