قالت له (ولماذا خرجت لتشتكي مع هؤلاء الناس؟).
قال (لأنه في يوم العيد خرج الأطفال بثيابهم الجديدة ليعيدوا مع أهلهم، ليسقطوا فجأة في بلاعة مجار تركت مفتوحة في وسط الشارع. وانقلب فرح الناس إلى مأتم مع موت هؤلاء الأبرياء).
قالت باستغراب (وما شأنك أنت لتشارك في الشكوى مع أهل الضحايا!).
قال بانفعال بسبب سذاجتها (لأن هؤلاء الأهالي هم أنت وأنا. وهؤلاء الأطفال كان من الممكن أن يكونوا أطفالنا).
قالت بهلع شديد (لا قدر الله! لا قدر الله! لا تتفاءل على أطفالي).
قال باشمئزاز (إن أمثالكِ من السلبيين الذين يشيحون بأوجههم عن الفساد، طالما لم يحصل لهم، هم السبب في تدهور أوضاعنا وضياع حقوقنا).
نظرت إليه ببلاهة وقالت (إنه نصيبهم فقد انتهى عمرهم. ولو أنهم لم يموتوا في البلاعة لماتوا في حادث قطار أو سيارة أو عبارة. صل على النبي ولا تزعل نفسك).
ضرب كفا بكف وهو يحوقل وقام تاركاً لها المجلس.
حالما قرأت خبر سقوط المواطن رحمه الله وابنه في خزان الصرف الصحي، تذكرت هذا المشهد (بتصريف مني) من المسلسل المصري (بنت اسمها ذات). والذي كان يحكي بتسلسل تدريجي مراحل، وأسباب التدهور الاقتصادي والاجتماعي لمصر. وكان الربط في المسلسل جلياً واضحاً، فكلما زاد الفساد الإداري والمالي، تدهورت أحوال الناس ورخصت أرواحهم.
ربما يقول البعض (لماذا تكبرون الموضوع، لقد نسي أحد العمال إقفال الفتحة، كلنا ننسى…. عادي). اعذروني ولكنكم لا تنظروا إلى الصورة الكبيرة. فترك حفرة مفتوحة في وسط الطريق، هو تصرف نابع عن استهتار. والاستهتار ينبع عن غياب الرقابة. وغياب الرقابة سببه الفساد الإداري، البيروقراطية، المحسوبيات، التغاضي، غياب التخطيط …. إلخ. فإن لم نعالج أصل الداء، ستظل العوارض في ظهور وازدياد. ومعنى ذلك زيادة في الحوادث لا نقصان، وتدهور أكثر لا تطور.
نحن لا نمتهن الكتابة لأننا نستمتع بسرد المآسي، ونطرب لتحليل القصور. ولكننا نسرد ونحلل ونندد، لننبه للعواقب، لننقذ ما يمكن إنقاذه، لنوصل الأصوات، لنوقظ النائمين، لنطالب جميعا بصوت واحد بالإصلاح.

