تأخرت كثيرا مراجعة أوروبا قناعاتها حيال فلسطين، ولكن في نهاية المطاف فدولة إثر دولة ستعترف بفلسطين كدولة صاحبة سيادة. أما مراجعة الموقف القديم فهو ليس من قبيل الشفقة والإنسانية على شعب قامت أوروبا نفسها ممثلة في بريطانيا بإهداء وطنهم للكيان الصهيوني في وعد بلفور الشهير 1917م، ولكن الأمر فيما يبدو إعادة توازنات دولية داخل أوروبا نفسها من ناحية، وبين أوروبا والغرب عموما من ناحية أخرى.

وما فعلته حكومة يسار الوسط السويدية الجديدة من اعتراف بدولة فلسطين لتصبح أول دولة أوروبية كبيرة تقدم على مثل هذه الخطوة، قد ينحو في اتجاه مغاير لسياسة المصالح الغربية، نظرا لسمعة السويد الحسنة بأنّها وسيط نزيه في الشؤون الدولية. ونسبة لدورها الكبير في السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، فمتوقع أن يصبّ قرار السويد في دفع دول أخرى من الاتحاد الأوروبي للاعتراف بدولة فلسطين، خاصة أنّ هناك دولا أقدمت على هذه الخطوة مثل المجر وبولندا وسلوفاكيا ولكن قبل انضمامها للاتحاد. ويدعم هذه الخطوة الإيجابية موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة على الاعتراف فعليا بفلسطين دولة ذات سيادة عام 2012م، والتي بمقدورها لفت الانتباه إلى تقاعس الاتحاد الأوروبي ومعظم دوله عن هذا الاعتراف.
وهذا الاعتراف ولفت الانتباه قد يثير استياء بعض الدول الأوروبية المجبرة على تحمّل الهمّ الإسرائيلي، وقد يذهب إلى أبعد من ذلك باستعداء الصهيونية الدولية، والتي استطاعت أن تخلق قوة غير مرئية ولكنها فعّالة في المنظمات الدولية وذراعا للقوى العظمى.
وقد يكون الأهمّ من كل هذا هو مدى التغيّر في الأفكار التي كانت فيما قبل ثوابت، واعتمدت بشكل كبير على أنّ أي تعاطف مع فلسطين يُعتبر معاداة للسامية. وهذا الخلط المريع هو ما عمل على تعطيل التفكير في معاناة الشعب الفلسطيني زمنا طويلا.
يهتم الغرب بالتفاصيل الدقيقة، وقد كانت فيما قبل الأحداث داخل فلسطين معدّة ومجهزة بواسطة الآلة الإعلامية للكيان الصهيوني، الذي يُسمع العالم ما يريده فقط دون تمليكه الحقائق كاملة. وهذه الآلة الإعلامية لم تواجه شرّا أكبر من الشرّ المتمثل في تطور وسائل الاتصال التي عملت على نقل الأحداث ثانية بثانية، وأثبتت أنّ الضحايا الحقيقيين هم من يتم قصفهم في المدارس. وقد كان الدليل الناصع في قصف مدارس الأونروا التابعة للأمم المتحدة والتي آوت إبان الحرب في غزة الأطفال والنساء من المدنيين الفارين من ويلات الحروب، وغيره من صور القصف العشوائي على غزة.
ووقوف وزيرة الخارجية السويدية مارجوت فالستروم عند نقطة مناداة المجتمع الدولي منذ 22 عاما لحل للقضية الفلسطينية على أساس الدولتين، قد يكون إشارة واضحة إلى أنّ حلّ القضية الفلسطينية هو شعار تستخدمه بعض الدول لتحقيق مكاسب سياسية في وقت معين ثم لا تلبث أن تنكص عنه.
وبالرغم من أنّ رؤية حل الدولتين هي رؤية أمريكية خالصة نادى بها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، وتبناها الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما، إلّا أنّ الولايات المتحدة الأمريكية كحليف استراتيجي لإسرائيل، اعترضت على ذات القرار بتحذيرها من أنّ أيّ اعتراف دولي بفلسطين هو أمر سابق لأوانه. وهذا التناقض ما هو إلّا محاولة لكسب الوقت لصالح الجانب الإسرائيلي حتى يصبح أمر التفاوض نفسه على مبدأ قيام دولة فلسطين أمنية مشتهاة. وأمريكا هنا ترعى مصالح اللوبي الإسرائيلي الذي استطاع تكوين دولة هلامية بقوة حقيقية من أعضائه في الشتات لخدمة مصلحة بلاده وتحريك القرارات، وهو بذا يكون دولة داخل دولة.
يبدو أنّ الأمور ستمضي على هذا النحو، خاصة مع تحرك فلسطين وتهديدها باتخاذ قرارات أحادية باتجاه إقامة الدولة الفلسطينية. أما الخطوة الأكبر فهي قيام فلسطين بتوزيع مسودة مشروع قانون على أعضاء مجلس الأمن الدولي عبر المجموعة العربية بالأمم المتحدة، وذلك تمهيدا لتقديمه رسميا للمجلس. وينص مشروع القانون على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بحلول نوفمبر 2016م.