كل إنسان في هذا الكون – عدا المعصوم من الخطأ – يمكن أن يخطئ في عمله ويصيب، وبقدر العمل والجهد يكون حجم الخطأ، والنفس البشرية الواعية تقبل الخطأ، وتؤمن بأنه شيء طبعي، وتثق أنه جزء من تكوين الإنسان، وأنه كثيرًا ما يكون بداية التصحيح، وتترك هامشًا معقولا متوقعًا له في كل عمل، وإذا ما تصدت للنقد نقدت بموضوعية بعيدًا عن التهويل ومصادرة الجهود.

ومن أشد الأمور ألمًا ومرارةً على النفس أن يعمد المتكئون على أرائكهم إلى نسف جهود العاملين المخلصين دون أدنى موضوعية في النقد، وأن يعمل الجالسون في الظل على التقليل من جهود الرجال الذين يقضون نهارهم في الميدان تحت أشعة الشمس الحارة، وأن يعمدوا إلى ممارسة الوصاية عليهم، ومصادرة إنجازاتهم، مقابل خطأ يسير، أو تقصير غير مقصود، وما أسهل هذا الصنيع وأيسر هذا الفعل!
ذات مرة شاهدت لقاء تلفزيونيًّا مع كاتب صحفي، والمذهل أن هذا الكاتب لم يرقه شيء في وطنه على الإطلاق، وقد وزع اتهامات التقصير والتقاعس في كل ناحية وصوب، مخاطبًا عددًا من الشخصيات (منهم وزراء) بأسلوب غير مقبول، وكأن لديه عصا سحرية وأسلوبًا خاصًّا كفيلا بحل كل شيء، ونطالع باستمرار من التغريدات والتعليقات ما يتضمن تهميش الجهود ونسفها، ولعل من آخر ما شاهدناه في هذا الإطار بعض التغريدات المتعلقة بالحج وخدماته، وسوى ذلك الكثير والكثير.
هذا الخطاب القائم على مصادرة الجهود ونسفها، وانتظار اللحظة المناسبة لإظهار الانتقاد وكشف الأخطاء، ومن ثم إبراز العمل على أنه كله قصور وسلبيات رغم أنها قد تكون في كثير من الأحيان لا تمثل إلا جزءًا يسيرًا جدًّا منه، وإخفاء الإيجابيات وحجبها، هو خطاب ظالم وغير منصف، وهو يأتي أحيانًا بسبب الجهل وقصر النظر والتركيز على الخطأ فحسب، وقد ينطلق في أحيان أخرى من رغبة في هدم العمل وإنكار دور القائم به وإفشاله، وربما رغبة في لفت النظر والإثارة وتأجيج الناس وتأزيم المواقف، وقد يرتبط بأغراض شخصية وتصفية حسابات، فضلا عما يخرج إليه هذا الخطاب من نوايا وأهداف أخرى بحسب السياقات والملابسات.
ويقوم هذا الأمر على التهوين من شأن الجهد المبذول والتقليل منه، وربما مصادرته تمامًا، وفي المقابل يعمد إلى تهويل الأخطاء وتجسيمها وتكبيرها، والعمل على نشرها، وكثيرًا ما يعزف أربابه على وتر من يرونهم متضررين من جوانب القصور في هذا العمل، ويستثمرون الجانب الإنساني، ويرقصون على جراح الضعفاء، بغية الوصول إلى الهدف.
ويبدو الإشكال في أن لهذا الخطاب جمهورًا كبيرًا جدًّا؛ فالمجتمعات تسعى دائمًا إلى أن تنال أفضل وأحسن ما يمكن من الحقوق والخدمات، ويسيطر عليها هاجس الحياة الهانئة والكريمة وهو حق مشروع لها، ولذا فإن من يظهر على أنه نصيرها والحريص عليها ويتجسد في صورة البطل المنقذ ومكتشف الأخطاء وفاضحها ورافع لواء الإصلاح يبقى إنسانًا محبوبًا ولا سيما عند العاطفيين، بغض النظر عن طريقة هذا الإنسان في الانتقاد وإظهار الخطأ، وبغض النظر عن صدقه وكذبه، وبغض النظر عن سوء نيته وحسنها.
هؤلاء المتخصصون في تصيد الأخطاء وتكبيرها، الذين يتاجرون بالآلام، ويرقصون على الجراح، تتهافت عليهم وسائل الإعلام بشكل لافت للنظر، ويحظون بجماهيرية كبيرة جدًّا، وتحظى تغريداتهم ومشاركاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي بقبول، ويتم تداولها بشكل واسع، وهم يعرفون الباب الحقيقي للإصلاح، ولكنهم يتركون هذا الباب، ويتسلقون على آلام الإنسان وجراحه، ولا يراعون الحال أو المقام، ويكون جمهورهم وجماهيريتهم بقدر من يسيئون إليه ويعملون على تهميش عمله.
ونسف الجهود بهذا الشكل قد يقع على الفرد، كما قد يقع على المؤسسة، وقد يكون أيضًا على مستوى الوطن، وهو مشكلة كبيرة، وله تبعاته الخطيرة، أقلها ضررًا يتمثل في إصابة العاملين في الأجهزة أفرادًا ومجموعات بالإحباط، وانخفاض معنويتهم ورغبتهم في العمل، وظهور ثقافة الحذر لدى العاملين بشكل يدعو إلى القلق ويوقع في الخطأ، فضلا عن عدم الرغبة في التجديد والابتكار؛ بالنظر إلى ما يمكن أن يجلبه ذلك من مشكلات.
أما هؤلاء المنتقدون المنظّرون فهم يمارسون محظورًا شرعيًّا يتمثل في ظلم الآخرين وفي التأليب والتأزيم، وهم يمارسون عملا غير أخلاقي، والعجيب في الأمر أنك تكتشف أن لديهم ازدواجية واضحة، فضلا عن وجود فجوة لديهم بين التنظير والتطبيق؛ فإذا ما أسندت إلى أحدهم مهمة العمل الذي كانوا ينتقدونه كان مستوى الأداء سيئا، وطارت الريح بتلك الأفكار والتنظيرات.