نشرت هذه الصحيفة يوم السبت الماضي عبر صفحتها الأولى عنوانا مخيفا “الاتجار بالعمالة المنزلية يصل إلى 50 ألفا”، وكانت قبل ذلك أجرت لقاء مع رئيس اللجنة الوطنية للاستقدام، كان مؤسفا للغاية، وما جاء فيه بعيد كل البعد عن الإقناع ولك - عزيزي القارئ - أن تقرأ العناوين التي جاءت فيه: إندونيسيا لن تحل الأزمة، وفيتنام لن تسهم بنسبة فاعلة، وسريلانكا خطّابها كثر فغلا مهرها، والفلبين لن تلتزم بقواعد العرض والطلب، وبنجلاديش وصفة طبية، والمقارنة مع الخليج غير منطقية!
تعجبت كثيرا من ذلك الحديث، وكأنه ينبئ عن استمرارية الأزمة وربما ديمومتها، واندهشت من التعامل مع هذه القضية، فعلى الرغم من حساسيتها وأهميتها، لكن يبدو أن القائمين على وزارة العمل، واللجنة الوطنية للاستقدام تتعامل معها ببرود شديد، فهي تفاوض دولة وتمكث شهورا بل ربما سنوات وتمنع الاستقدام من دولة أخرى دون وجود البديل، في الوقت الذي يعاني فيه أرباب الأسر وأفرادها!
كم يحار المرء في بعض الإجراءات، وبخاصة إذا نتج عنها قرارات تتعلق بشرائح كبرى من المجتمع، بل وتمس معظم البيوت، ولها أثر بالغ على استقرار الأسر!
هكذا يستمر الحال، خبر وتكذيب، اتفاقيات ثم الإعلان عن عقبات تتبعها إيقافات، تنبعث الآهات، وتتبعها الزفرات، ويبدو واضحا أن البعض قد غلبتهم العبرات، بعد أن زادت حدّة المعاناة.
لدي رسائل لا ينتابني أي شك في صدق كل كلمة وردت بين سطورها، وأجدني أمامها أسيرا لا أنفك منها حتى أعود لتفاصيلها المؤلمة وحكايتها المحزنة، حزنا لا يمكن وصفه ويستحيل رسمه.
وبدأت المعاناة بعد إيقاف استقدام الخادمات من إندونيسيا، فتوجه الناس إلى أفريقيا وتحديدا إلى كينيا، ثم إثيوبيا فإذا القرار يأتي بإيقاف الاستقدام، ليجدوا أنفسهم مضطرين للإقدام على الفلبين وقد أضناهم الانتظار، وأرهقتهم التكاليف، وأجدهم ينشدون العودة لإندونيسيا كأشهر بلد قدم منه خادمات؛ لقدرتهن على التعامل مع الأسر السعودية بشكل عام على اختلاف العادات والتقاليد.
وقد تداول المتداولون عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبرامج الجوال أنه تم الوصول إلى اتفاق مع الجانب الإندونيسي مفاده أن تكلفة الاستقدام 11500ريال، والراتب 1500 ريال، ليأتي النفي مخيبا للآمال (رغم عدم واقعية الشروط)! ثم أتت فيتنام، وأعلن عن اتفاقية يتم بموجبها استقدام 30000 ألفا، بمعدل 400 عاملة يوميا، ولكن حتى كتابة هذا المقال لم يتأكد لدى المتلقي مصداقية ذلك من عدمه!
ولا أعلم لماذا كل هذه الإطالة في التفاوض فبلدان العالم متعددة - ذكر رئيس اللجنة الوطنية للاستقدام أنها 125 دولة- وهي تعاني من البطالة، فالاستقدام ليس معضلة، ولكن يبدو أن الجدية وعدم إدراك حجم المعاناة أدى إلى جلسات عديدة، وفي نهاية المطاف كانت النتيجة: لم ينجح أحد!
ومن جهة أخرى فإن متابعة المكاتب والتصدي لمماطلتها وغيرها من الأمور لا يدري المواطن إلى من تكمن المرجعية فيها، والمفترض إبراز هاتف للشكاوى، فطول فترة الاستقدام من الفلبين ظاهرة، ومن رام ذلك فعليه المكوث لأشهر عدة.
وكانت المعاناة قبل وبعد ذلك مع الهاربات، فالإجراءات لا تزال هزيلة وغير صارمة مع هذه الظاهرة، ومع فترة التصحيح تم اكتشاف الآلاف من الهاربات وكان التعامل معهن مؤسف جدا، فالخادمة يتم تخييرها بين العودة لكفيلها أو اختيار كفيل آخر، في صورة من صور التهاون وعدم الضبط، فما ذنب من دفع تكاليف الاستقدام حتى يخسر أمواله وتذهب عاملته لشخص آخر، هكذا بدون مقابل؟!
إن إيجاد شركات ومكاتب كبرى يتاح لها استقدام عدد من الخادمات بحيث يمكن للمواطن الحصول على خادمة وفي وقت وجيز جدا وفق ضوابط معينة – كما هو معمول به في دول مجاورة - يبدو أنه حل واقعي، والجميع ينتظره بفارغ الصبر، وقد تم الإعلان عن شيء من ذلك، ولكن على أرض الواقع لم يتغير شيء.
والمرجو التعامل بجدية لإنهاء كل ما يمكن اعتراض الاستقدام، والتخلي عن التعامل الحالي فهو لم يخدم المجتمع بل أدى إلى انتشار السوق السوداء وارتفاع التكاليف والهروب، وكل ذلك يمكن أن ينتهي بشيء من الجدية والخطوات العملية لإنجاز الاستقدام بشكل سريع، والمكاتب حلم يظل يراوح مكانه، فهل يتحقق؟!

