تحتل تركيا مرتبة متدنية على جميع القوائم الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات العامة، وفي الوقت نفسه تحتل المرتبة الأولى في أعلى عدد من الصحفيين ورجال الإعلام المحتجزين خلف القضبان. تركيا تقع في منطقة مهمة ومضطربة، ولذلك فإن المسؤولين الأتراك يجب أن يتوقعوا بالطبع من الدول الأخرى أن تتفهم موقعها المتميز والخاص. في نهاية المطاف، أليست تركيا هي الدولة التي استقبلت لاجئين سوريين في أسبوع واحد أكثر من إجمالي اللاجئين السوريين الذين استقبلتهم الدول الأوربية بأكملها منذ بداية الحرب الأهلية في سوريا حتى الآن؟

للأسف، لم يكن هناك عدد كاف من الدول التي تعتقد أن تركيا تستحق مكانة خاصة في الدبلوماسية الدولية عن طريق حصولها على مقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي. مهما بلغت الجهود لإخفاء الحقيقة المرة، إلا أن العالم رأى، جزئيا على الأقل، صورة محددة لتركيا وقرر على أساسها أن مثل هذا البلد، حاليا على الأقل، يجب ألا يجلس على طاولة أعضاء مجلس الأمن الدولي. هل كانت تلك الخسارة مفاجأة لتركيا؟ ربما كانت كذلك على الأرجح لبعض الأشخاص في أعلى سلم الإدارة التركية. الارتفاع ربما يسبب أحيانا مثل هذا البعد عن الحقيقة.
خلال الحديث مع مجموعة من الصحفيين الشباب والطلاب الجامعيين في مدينة ترابزون خلال سلسلة المحاضرات حول أسس الصحافة، في إطار مشروع الصحافة من أجل الحرية الذي تنظمه نقابة الصحفيين بدعم من الاتحاد الأوروبي، كان من الصعب إلى حد ما الإجابة على أسئلة حول الأسباب التي جعلت بعض الصحفيين معتادين على الخضوع للرقابة لدرجة أنهم لا يردون على ذلك ولا يرفضونه.
وفقا لتقرير مشروع الصحافة من أجل الحرية الصادر في سبتمبر الماضي، فإن الصحفيين والكتاب والمفكرين في تركيا كانوا أهدافا لتهديدات بالقتل، والإهانة، وحملات تشويه واغتيال الشخصية، وسط مخاوف متزايدة حول حرية الصحافة وحرية التعبير وحقوق الإنسان.
إذا كان النصف الأول من هذا العام قد شهد طرد 981 صحفيا من أعمالهم، كما أجبر 56 شخصا يعملون في مجال الإعلام على تقديم استقالاتهم من قبل أصحاب العمل، يجب أن يكون من الواضح أن هناك مشكلة عميقة وخطيرة في هذا البلد بغض النظر عن عدد المرات التي تم فيها تقديم ضمانات، وبغض النظر عن المستوى الذي تم ذلك فيه، لتشجيع حرية التعبير.
إن الحقيقة المحزنة هي أنه باستثناء وكالة الأناضول شبه الرسمية – وحتى هناك توجد جهود تبذل للتخلص من نقابة العمال - وبعض الجهات الإعلامية الصغيرة، فإن النقابات العمالية ممنوعة بحكم الأمر الواقع من الإعلام التركي. غياب نقابة للعمال في هذا القطاع المهني المهم يعني غياب الأمن الوظيفي. وبدون وجود أمن وظيفي، يصبح من السهل تطوير وسائل إعلام موالية للنظام أو إجبار بعض العاملين في المجال الإعلامي الذين تمكنوا حتى الآن من اتباع خط مستقل على أن يتحولوا إلى داخل الإطار المرسوم لهم مسبقا أو يستسلموا للرقابة الإعلامية ليتمكنوا من الاحتفاظ بعملهم ومورد رزقهم.
إن غياب الأمن الوظيفي أو الظروف غير الآمنة للعمل ربما تكون السبب الرئيس وراء كون الكثير من الأخبار والتحليلات الممتازة والمستندة إلى أبحاث دقيقة التي يكتبها بعض الصحفيين الأتراك المعروفين يتم نشرها في وسائل إعلام أجنبية. هل يستطيع أحد الادعاء بأن أولئك الصحفيين الأتراك يتمتعون بمهارات مهنية أفضل من الآخرين؟ الفرق هو الحرية التي يتمتعون بها، والتي توفرها لهم حقيقة أنه ليس هناك من سيقوم بالاتصال برئيسهم في العمل أو يضغط عليه أو يقوم بحملة لتشويه سمعة الصحفي.
في الوقت الذي يعمل فيه الصحفيون الأتراك تحت مخاطر دائمة من خسارة عملهم وإنهاء عقودهم، هناك ميول متزايدة من قبل النخبة الحاكمة، خاصة الذين يحتلون مناصب رفيعة، لإلقاء اللوم على وسائل الإعلام الأجنبية حول أي تقصير أو ظاهرة سلبية.
هناك توجه متصاعد أيضا لانتقاد المؤسسات الإعلامية الأجنبية إذا تجرأت ونشرت شيئا يثير غضب أصحاب السلطة والنفوذ في تركيا. مؤخرا، تعرضت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إلى هجوم عنيف عندما تجرأ مراسلها في تركيا ونشر أخبارا تنتقد النخبة الحاكمة.
هل تستطيع هذه الصورة السريعة التي تقدمها حتى الآن أن تكون لبلد يستحق الانضمام إلى أعلى هيئة في الأم المتحدة؟ هل كانت خسارة التصويت مفاجأة بالفعل؟

- صحفي ومحلل سياسي تركي (صحيفة حرييت ديلي نيوز)