وطبعا سيعتقد البعض أنني أنوي التحدث عن عدم وجود أوركسترا موسيقية سعودية، ولكنني للأسف سأخيب ظنهم، لأنني لا أحبذ الحديث عن طلاسم المستحيلات، حيث إن الفن عندنا يظل عشوائيا، ناقصا، مخشوشا، مصبوغا بالحرمة.
وهل من المعقول أن أطالب بتكوين أوركسترا وطنية، وأن يكون لها قائدة نسائية، ونحن لا نتحصل على فرقة موسيقية بسيطة في المناسبات الوطنية، إلا عن طريق التلفيق؟
قائدة الأوركسترا التي أقصدها هنا هي وزارة للتخطيط، والتي من المفترض أن تبادر بوضع ورسم جميع الخطط الوطنية بعد تأهيل جميع العازفين من الوزارات المختلفة، واختبار جودة عزفهم، وقدراتهم الإبداعية، ثم تدريب كل وزارة على حدة بداية بالسلم الموسيقي، ونهاية بالمقامات، وتحفيزها فيما يجب عليها تأديته من النوتات المختلفة، والتأكد من حضورها للبروفات، وتناغمها مع زملائها العازفين من الوزارات الأخرى لتنفيذ حذافير المقطوعات الموسيقية، بدقة وإتقان، وألا يسمح لوزارة بأن تعزف منفردة في غير محلها، وألا تخرج عن اللحن، أو تعزف نشازا، وأن تتمكن وزارة التخطيط كقائدة للأوركسترا من تحريك توجهات المجموعة بخفة ونعومة بعصاتها السحرية، مستحوذة على الاستحسان، بإيقاع سليم، وحس متناغم، ترن فيه وزارة بوترها، فتأتي الوزارة الأخرى ببوقها وتلك بطبلتها، لتكمل جمالية اللحن بلا تداخل ولا تسابق على سلالم النغم.
التخطيط السليم يساعد على تلافي العشوائية حين يَعرِفُ الكل حدود نوتاتهم، ووقت دخولهم وخروجهم، فلا ينزعج المستمعون، ولا يتم تبذير الموارد هدرا، ليستمر انسياب الألحان بروعة تتأكد بفهم كل عازف لأدوار الآخرين.
وزاراتنا معذورة بأي نشاز تدخلنا فيه، ولأي إزعاج تبتلينا به مع كل مشروع لها، وهي لا تعي ما يحدث، لأنها منقطعة الصلة الفنية عن شريكاتها في العزف، كما يحدث في مشروع مترو الرياض، والذي بدأ أول ما ابتدأ بنبش مشاريع الأمس القريب!
لا تستغربوا أن يكثر قرع الطبول بالنشاز، ولا تستغربوا عدم وجود فن وجماليات، فكل يغني لنفسه، وأكثر العازفين تركوا آلاتهم الموسيقية، لأنهم وجودوا صعوبة في العزف عليها، واكتفوا بالتصفيق والتصفير، وقامت أغلب الوزارات باستبدال آلاتها بالطبول، التي لا تحتاج إلى جهد عظيم، ولا إلى خبرة، فيكفي أن يقوموا بتسخينها، وسيجدون ألف من يضرب عليها، كيفما اتفق، وسيغيرون اسم (الطقاق)، إلى موسيقار، ويعطونه من الأموال ما لا يحلم به مايسترو بالباطن!
المهم أن يهنأ ويتعشى الجميع في الحفلة، وأن تدفأ أطرافهم بالهز، وأن يتمايلوا على تلوث الضجيج، قبل دخولهم لمناطق الزار.
وتصحو الوزارة في اليوم التالي منكوشة الشعر، مبهدلة الهيئة، والسهر قد أحرق عينيها، وبقايا التبرج سائحة على سحنتها، وتنظر لأرض الرقص فلا تجد إلا بقايا الطعام والمناديل، وحطام الفناجين، ووزارة أخرى تبحث بين القمائم عن لبانتها التي ضيعتها أثناء غنائها بصوت نشاز، وتسعل ببحة، ثم تعاود الحفر!

