يوم الاثنين الماضي، ودع الفانية إلى الباقية، الشاعر الضخم/ »رشيد الزلامي«، أحد عمالقة المحاورة (الملعبة أو القلطة)، الفن الأصعب عند العرب، حيث يتشظى المبدع إلى ثلاثة شياطين في لحظة واحدة: شاعر في المستوى الأعلى من الذكاء وسرعة البديهة، وملحِّن يمتلك أذناً موسيقية حساسة، ومطرب يتمتع بالحد الأدنى من الأداء المقبول، وإن لم يوهب حسن الصوت! فنان المحاورة: ثلاثة في واحد، وواحدٌ في ثلاثة!!
وحين يرحل علم بحجمه، فلا بد أن تحضر جدلية »الشخص والمبدع«، تحت سؤال: من الذي مات؟ »رشيد بن زيد بن مسيند الزلامي العتيبي«، الجسد الذي ناء بـ(88) عاماً من »الكَبَد«؟ أم المبدع الداهية، الملقَّب بـ(صنفرة الشعراء)، وهو وصفٌ عميق دقيق في الثقافة الشعبية؛ إذ تقوم »الصنفرة« (ورق الزجاج) الرقيقة في ظاهرها، الخشنة في باطنها، بنحت الخصم، و»تحكيكه« حتى النهاية، بهدوء ونعومة؛ كنايةً عن شدة مكره، وسموِّه عن ضوضاء الهياط، وضجيج »الفشخرة الكذابة«، التي عكَّرت صفو هذا الفن منذ عشرين عاماً!
أما »أبو جميل« الشخص؛ فهو نموذج نادر لأخلاق شيوخ القبائل البدوية، الذين يشترون حسن الصيت بكل ما يملكون، وتدفعهم فروسيتهم إلى الجلاء نحو المجهول، على أن يدخل أحدهم مع أبناء عمه في معركةٍ: الرابح فيها خسران!
لم تكن »المشيخة« عند جيل »رشيد الزلامي« منصباً دنيوياً، ولا »بشتاً« فضفاضاً، ولا »خشماً« تورَّم حتى حجب الرؤية! بل كانت الإيثار، والتسامي، وتقديم مصلحة الجمع على صيغة المفرد!
وقد دفع »أبو جميل« ضريبةً لهذه الأخلاق زهرة شبابه، يصلى سعير الغربة والشوق إلى بلاده، حتى ذاب قلبه حين رأى صورة رمزها »الملك فهد« آنذاك، على غلاف مجلة، فانهار يضمها ويقبل الصورة؛ فشاكسه زميله الشاعر قائلاً:
يا عابد الصورة على بيض الأوراق
دارك عرفناها وعلَّتْك عِلَّة!
فرد »الزلامي«، ولن تميز (الشخص) من (المبدع) في قوله:
والله أحبه حب مخلص ومشتاق
وأحب حتى صورته بالمجلة
وحنا سعوديين يا طاق طرباق
أحرار ما عشنا بعيشة مذلَّة
رجَّالنا لو هو على مكسَّر الساق
حب الكرامة والوفا عادةٍ له!
»على الزين« يا »شيخ رشيد«، والله أرحم الراحمين..
ويفنى الشخص والإبداع باقٍ!
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
