الكتابة هي مسافة تصل ما بين الكاتب في تعيّنه الواقعي وحلمه المثالي الذي من أجله يحيا ويعيش ليكون فكرته التي تتكفّل بها الكلمة؛ أصل الخلق والوجود معًا.
فليس من كاتب مبدع إلا وله صورة ما يبحث عن تشكيلها وتكوينها ويطمح في أن يحقّقها في العالم بنفسه وفي أن يكونها بامتياز، وهي ما يمكن نعتها بأسطورة الكاتب الخاصّة. فكلّ ما يقوم به خياله هو محاولة جادة لتحقيق الحلم وتفسيره وتأويله، ومن ثمّ رسم تلك الصورة بما يمتلك من الوسائل الفنّيّة والأدوات والأساليب، حتّى يغدو العمل الأدبيّ ماثلاً للعيان، دالاًّ ومعبّرًا عن حقيقة الصانع أو المبدع وهو الكاتب الفنّان، ومجسّدًا لأسطورته الأثيرة تلك.
ولمّا كانت الأسطورة فكرة غائمة يطاردها الكاتب، ويجاهد من أجل القبض عليها بأعمال أدبيّة لها قوانينها وأنظمتها الخاصّة والعامّة، فإنّه غالبًا ما يحقّق قدرًا من النجاح يوهم بالوصول إلى الغاية والمراد - بسبب الاغتباط الآني الناجم عن الإحساس بجمال العمليّة الإبداعيّة، وفي الوقت ذاته يصاحب هذا النجاح قسطٌ من الإخفاق الطبيعيّ - بسبب صعوبة الوفاء بكل مقتضيات القوانين الفنّيّة والأنظمة الخاصّة والعامّة تلك - يحول دون رضى الكاتب الكامل عن نفسه. لذا يغدو عمله اللاحق كأنّما هو نقد للعمل السابق عليه، أليس المطلوب منه في كلّ مرّة أن يفيد من نجاح تحقّق بمحاكاته، وأن يتجنّب إخفاقًا وقع فيه قبل قليل؟!
وهكذا فإنّ الكتابة عمليّة إبداعيّة تقوم على محاولة تكرار الخلق حتّى تتولّد نتاجات أدبيّة عديدة ومتوالية مدفوعة بشهوة الحرّيّة وتحقيق الحلم ورسم الصورة الأثيرة للكاتب عن نفسه وعن العالم الذي يعيش فيه، بغية تجسيد الأسطورة الخاصّة به والمعبّرة عن طموحه وآماله وأشواقه، فلا يزال الكاتب بعمل أدبيّ تلو عمل، يغالب نفسه اللوامة، ويتجاوز ذاته المتردّدة، ويتحرّر من قيود واقعه الثقيل، باتّجاه حلمه المحلّق، وصورته البهيّة الجميلة، وأسطورته المشتهاة أبدًا.

