انتهيت لتوي من مطالعة السيرة الذاتية لحمدي قنديل أستاذي وأستاذ جيلي من الإعلاميين التليفزيونيين العرب، والمُعنونة (عشتُ مرتين).. والصادرة قبل شهور قليلة عن دار الشروق المصرية.

هذا الرجل بقامته الرشيقة الفارعة، وبصوته الصافي الرنان، المرتبط في ذهني بصورة رمح عربي لا ينحني، قد يخطئ الاتجاه مرة أو مرات، لكنه قادر دائما على تصحيح مساره، والعودة إلى اتجاهه الدائم؛ وطن عربي واحد، ينعم أهله بالكرامة والحرية والرفاه..
هذا الرجل الذي أوقفت الحكومات العربية برامجه من المحيط إلى الخليج تقريبا! لأنه كان شجاعا في زمن كانت الشجاعة فيه تُعد نوعا من الجنون، فتلقى المنع والحظر والتجميد لـ(رئيس التحرير) و(قلم رصاص) ولكنه ظل يحظى باحترام الجميع، لأنه لم يتنازل قط.. هذا الرجل هو مثلي الأعلى.
ومطالعة كتابه لا بد أن تكون واجبا أساسيا يترتب على كل شاب عربي يطمح للعمل في مجال الإعلام.
وهأنذا أقتطف لكم من نصائحه الذهبية للشباب الإعلاميين، تلك التي ألقاها على حشد من الطلاب الأردنيين والعرب في عمّان عام 2009 في الملتقى الثاني للإعلاميين الشباب العرب الذي توجه بجائزة أبرز شخصية إعلامية عربية رائدة لذلك العام..
أوصيكم بألا تعملوا بالإعلام إلا إذا كنتم تحبونه، فإن لم تكونوا كذلك حاولوا أن تحبوه، فإذا أعيتكم الحيلة ابحثوا عن مهنة أخرى.
أوصيكم بالقراءة والقراءة والقراءة.
ربما تظنون أن مفتاح النجاح هو كارت توصية أو مكالمة من رجل مهم. هذا قد يفتح نافذة مغلقة، لكنه لا يفتح طريقاً ممتداً للمستقبل.
أوصيكم بإتقان اللغة العربية وحمايتها، وإتقان لغة ثانية وأكثر.
أوصيكم بالتعرف على الآخر وفهمه.
أوصيكم قبل التواصل مع الآخر أن تعرفوا ناسكم وتتمرغوا في تراب أرضكم.
أوصيكم إذا خالفتم أحداً الرأي أن تتفهموا دوافعه، وإن خاصمتم خاصموا بنزاهة، وإن انتقدتم انتقدوا بعفة.
أوصيكم بالتحريض الشريف والشغب البناء، ذلك أن الرسالة الأولى لأي مبدع، في أي مجال من مجالات الإبداع، هي التحريض على التغيير والإصلاح والتحديث والنهضة، ومشاغبة الداعين إلى التحنيط والتقديس والاستقرار الذي يغتال التقدم والحركة.
أوصيكم ما دام المجتمع قد نصبكم قادة فكر ورأي أن تصدقوا الناس في قولكم، ولكى تصدقوهم اصدقوا أنفسكم.
أوصيكم ألا تخادعوا أو تداهنوا، وأن تقولوا كلمة الحق عند السلطان الجائر. منذ آمنت بذلك لم تلن لي قناة، ودفعت الثمن راضيا.
أوصيكم ببذل كل ما تستطيعون من جهد لتثبيت استقلال الإعلام وحريته وحقه في الحصول على المعلومات ومحاربة الفساد ومقاومة القمع والتسلط.
أوصيكم بعدم الانضمام إلى الأحزاب والجماعات السياسية حتى تحافظوا على استقلالكم الشخصي، ومكانتكم المتجردة عن الانحيازات والمصالح.
أوصيكم بألا يكون المال هدفكم، المال بالطبع مهم، لكنه ليس الأهم، وهو بالتأكيد في يوم سيأتي نتيجة الجهد المخلص.
أوصيكم بألا تخلطوا في عملكم بين الإعلام والإعلان.
أوصيكم إن أخطأتم بأن تعتذروا، وأن تصححوا الخطأ بتبيان الحقيقة، ذلك ما تنص عليه القوانين ومواثيق الشرف، وما يجب أن تمليه عليكم قبل ذلك ضمائركم.
أوصيكم بالتعرف على كل إمكانات الإعلام الالكتروني البديل، واستغلالها.
أوصيكم بالسعي الدؤوب نحو التجديد والاختلاف، الإنتاج اللافت هو الإنتاج المختلف، طوال حياتي لم أدع أنني أقدم برنامجاً متميزاً، قلت دائماً إنني أقدم برنامجاً مختلفاً عن السائد.
أوصيكم إذا عين أحدكم مندوباً لتغطية أنشطة وزارة ما أن يكون مندوباً للصحيفة أو القناة في الوزارة، لا مندوباً للوزارة في مؤسسته الإعلامية.
أوصيكم بتشكيل نقابات وروابط تدافع عن حقوقكم، وتنمي مهنتكم، وتدعم استقلالكم، وتحميكم وقت الشدة.
وأوصيكم بأن تحافظوا على مبادئ الأديان، وعلى الأخلاق العامة، وعلى الانتماء الوطني والهوية القومية، وعلى إشاعة الثقافة، وعلى نشر العلم، وأن تنبذوا إعلام الإثارة والدجل والجنس والفضائح.
...
أمدّ الله في عمر أستاذنا النبيل، حمدي قنديل.