لفت انتباهي ما قاله أحد المشاركين في مؤتمر سيعقد قريباً لبحث موضوع “الإرهاب”، من أن مواقع التواصل الاجتماعي تعد موضوعاً رئيساً للمؤتمر بصفتها حاضنةً للإرهاب.
يمكن اعتبار مواقع التواصل الاجتماعي، وبالتحديد موقع واحد منها، وسيلة مهمة للتجنيد أو التغرير، أو وسيلة لإيصال رسالة الجماعات الإرهابية أيا كانت، تحت مجموعة من الذرائع، أهمها الجهاد ونصرة المستضعفين، مثلما حدث أثناء بداية تشكّل الجماعات الإسلامية في سوريا، حيث انطلقت العديد من الدعوات من داخل دول الخليج لنصرة المستضعفين، وانتهت بأن معظم الداعين لها كانوا دعاة للإرهاب ودعمه من خلال التجنيد وجمع الأموال، قبل أن يتم وضع قوانين وإعلان بيانات تجرم من يقوم بذلك، ومنها انطلقت هذه المساحات الاجتماعية لمن سبق أن غرر بهم لاستخدامها كوسيلة دعاية لانتصارات مزيفة، أو لإرهاب الآمنين والتنكيل بهم تحت ذريعة إخافة العدو ولاستغلال نزعة الشر والفتوّة للمراهقين والدرباويين.
الحاضن الحقيقي للإرهاب في دول الخليج، انطلق قبل أن تصبح وسائل التواصل الاجتماعية في متناول الجميع، وربما نتذكر جميعنا مع انطلاقة “المنتديات” الالكترونية أحد أشهر المواقع الحاضنة للإرهاب، الذي ترك لسنوات طويلة دون رقابة صارمة من أعضاء الدول التي انطلق منها الموقع أو أعضاء المنتدى الذين غلبت عليهم الجنسية السعودية.
لا تزال أعداد المقاتلين في صفوف القاعدة منذ إنشائها 1988 وحتى الآن كما هي، رغم حرب الإبادة التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ورغم الحرب على الإرهاب التي نجحت فيها الاستراتيجية السعودية في القضاء على الجماعات المتشكلة داخلياً تحت مظلة القاعدة، ورغم القوائم المعلنة بين فترة وأخرى ممن ينتمون إلى القاعدة في جزيرة العرب.
بالإضافة إلى العديد من المواقع التي دعمت مقاتلي القاعدة وجندت الراغبين من دول الخليج وغيرها مثل موقعي النداء والجهاد وموقع عزام باللغة الإنجليزية (تم اختراق موقع النداء على يد الهكر الأمريكي جون ميسنر وتم تحويل المواقع بعدها إلى خوادم أخرى وجرى تحول استراتيجي في محتواه حسب موسوعة ويكيبيديا العربية).
التنظيم الجديد؛ ما يسمى بدولة الخلافة الإسلامية لا يزال يخضع دولياً للتقديرات (20 ـ 31 ألف مقاتل ـ هيغل) وتشير آخر الإحصاءات إلى أن ما يقارب 2500 من المنضمين للتنظيم من السعودية، بينما بقية دول الخليج ما يقارب 1000 مقاتل (تقرير صحيفة ديلي باول الذي يقدر عدد مقاتلي داعش بـ 14620 مقاتلا). في تصريح لرئيس حملة السكينة يوضح رئيسها عبدالمنعم المشوح أن الأرقام مبالغ فيها، لكنه لم يوضح أي رقم عن عدد المنضمين فعلياً لتنظيم الدولة الإسلامية.
في آخر إحصاءات لأعداد المؤيدين لتنظيم الدولة الإسلامية وتم نشره في العديد من المواقع العربية يقول (ديفيد بيلوك) إن النسبة تبلغ 5% في السعودية أي ما يعادل من نصف مليون إلى مليون مواطن.
الخلاصة التي علينا مراجعتها بناء على مسألة الاحتضان، أن مواقع التواصل الاجتماعية يمكن أن تستخدم بكافة الوسائل المتاحة فيها (صور وعبارات ومشاهد) إلى وسيلة تجنيد ودعوة واستخدام الذرائع كافة لكسب التعاطف (تجاوز التنظيم هذه المرحلة من خلال خطب وتظاهرات وتجمعات البدايات التي كانت تدعوا لنصرة المستضعفين في أوائل الثورة السورية، ولم نعد نسمع هذا الخطاب منذ قيام ما يسمى بدولة الخلافة) أو استخدامها لجذب وتنسيق الانضمام وإعطاء صورة مزيفة للمحتضنين أصلا ومسبقاً.
فمن أين جاء الاحتضان والمحتضنون؟
بالعودة إلى مرحلة ما قبل أفغانستان نكتشف أن هناك المحاضن الفعلية وزرع بذرة الفساد في أرواح الشباب كانت من خلال جماعات تمظهرت بالإسلام واستغلت المناخ المتاح لنشر فكر التطرف، ولا يخفى أنها كانت في السعودية مثلا؛ التعليم وجماعات التوعية وتحفيظ القرآن وتبرعات الجمعيات الخيرية التي تم استغلالها شر استغلال، وخطب الجمعة والدروس والمواعظ والأشرطة الإسلامية. هذه فكرة الحاضنة الأولى، فهل تغيرت استراتيجية احتضان الإرهاب وتجهيز المغرر بهم لرميهم في أحضان المجنِّدين في وسائل التواصل؟ الاستراتيجية على ما يبدو تغيّرت كلياً بعد الحرب الضروس من دول الخليج على الإرهاب وعلى جماعة الإخوان والمنتمين للفكر المتطرف، لكننا لم نقرأ بعد أي ورقة تقدم أو إحصائية توضح أين يكمن الخلل بالضبط، ومن هم حاضنو الإرهاب وما هي وسائلهم وكيف يستخدمونها على أرض الواقع.

