منذ عدة عقود خاضت البشرية غمار ثورتين علميتين، أولاهما كانت ثورة اكتشاف المادة الوراثية «DNA» بأسرارها المدهشة، وهي اللغة التي تخزن بها الصفات الوراثية المسؤولة عن حياة الإنسان في جمل وكلمات وفقا لتتابع الأحماض الأمينية الأربعة التي تشكل حروف الأبجدية الوراثية. وتلاها مباشرة ثورة اكتشاف إنزيمات التحديد والقص» Restriction enzyme» والتي تقوم بقص مادة الـ «DNA» في مواقع محددة ليعاد ترتيب الشفرات الوراثية أي الجينات، وهو ما يمكن تسميته بعمليات الجراحة الوراثية أو جراحة الجينات. ومع التطبيق العلمي لهاتين الثورتين استطاع الإنسان إدخال هذه الجينات إلى بعض الكائنات الحية من البكتيريا لتحويلها لمصانع وراثية صغيرة تنتج عددا من البروتينات والهرمونات والأدوية فيما يسمى حديثا بالهندسة الوراثية.
وتأسست الشركات التي تعمل في هذا المجال، فكانت أول شركة هي «جينتك» التي ظهرت للوجود عام1977 وكانت باكورة إنتاجها هرمون السوماتوستاتين الذي يفرز من المخ. وتتابع إنتاج عدد من الهرمونات والمواد البروتينية. وفي عام 1982 تم افتتاح أول مصنع في مدينة ليفربول لإنتاج الإنسولين البشري، وتوالى إنتاج اللقاحات والمواد البروتينية كالانترفيرون وازدادت الاستثمارات في هذا المجال حتى إن السهم في إحدى شركات الهندسة الوراثية وصل إلى مليون دولار.
وتعدى النشاط من إنتاج الهرمونات والأدوية إلى مجال التشخيص والعلاج لعدد من الأمراض المزمنة، وذلك بتغيير في الصفات الوراثية للإنسان عن طريق نقل تلك الجينات المصنعة إلى الإنسان وفي الحيوان والنبات لاستنبات سلالات جديدة أقوى وأطول عمرا وأكثر إنتاجا.
وبالتأكيد لم تكن الصورة كلها وردية، فالإنسان أصبح لديه هذا المخزون الوراثي الكامن في كل المخلوقات الحية ليستخدمه سواء خيرا كان أو شرا، وأصبح من الإمكان تبديل الإمكانات الوراثية للكائن الحي منا يتطلب تدخلا أخلاقيا ودينيا في تلك الأبحاث.
ترى أيمكن أن تدور عجلة أمتنا فنبدأ من حيث انتهى الآخرون، ليس فقط للاستفادة العلمية ومسايرة العالم في تقدمه، ولكن من أجل أن يستظل العالم بمظلة الإسلام وسماحته وقدرته على حماية الحياة الإنسانية. ترى هل يمكن أن نلحق بقطار البشرية لتعديل مساره، أم إن الوقت قد مضى وأصبحنا نعيش خارج إطار الزمن؟
نحن والثورات الجديدة..حسابات الربح والخسارة
عصام موسى2 دقائق للقراءة

حجم الخط
