في عام 1989، نشر فرانسيس فوكوياما مقالة في مجلة The National Interest الأمريكية بعنوان “نهاية التاريخ؟”، ووضعت الأفكار التي جاءت في تلك المقالة فوكوياما في مركز جدال كبير.
وبالرغم من أنها كثيرا ما تتعرض للهجوم والانتقادات، أحيانا بسبب سوء الفهم، إلا أن الفكرة الرئيسية كانت واضحة ومباشرة ومنطقية: مع انهيار الشيوعية، لم يبق سوى الديمقراطية الليبرالية كشكل وحيد للحكومة يتوافق مع الحداثة الاجتماعية-الاقتصادية.
ومنذ ذلك الحين، استمر فوكوياما في الدفاع عن أفكاره، وقد لخص الآن جهوده في مجلدين من أفضل ما كتب، يعرض فيهما تاريخ التطور السياسي العالمي من فترة ما قبل التاريخ وحتى الوقت الحاضر.
بعد ربع قرن على مقالته الشهيرة، لا يزال فوكوياما مقتنعا أنه لا يوجد نظام سياسي آخر يصلح على المدى البعيد، لكنه يخلص في نهاية نقاشاته إلى تحول واقعي: مستقبل الديمقراطية الليبرالية غامض، لكن السبب في ذلك هو مشاكلها الداخلية، وليس المنافسة مع أي نظرية خارجية أخرى.
سيل الأفكار
كتاب “النظام السياسي والفساد السياسي: من الثورة الصناعية إلى عولمة الديمقراطية” يتابع القصة من هذه النقطة، وينقل القارئ في جولة مكوكية على التطورات الحديثة من الثورة الفرنسية حتى الوقت الحاضر.
هو يريد أن يفعل أكثر من مجرد وصف معنى الديمقراطية الليبرالية؛ هو يريد أن يكتشف كيف ولماذا تتطور أو لا تتطور.
لذلك فإنه في هذا المجلد، كما فعل في المجلد السابق، يغطي مساحات جغرافية كبيرة، ويلخص كميات كبيرة من الأبحاث ويقدم سيلا من الأفكار حول كثير من المواضيع.
وبالتأكيد فإن بعض هذه الأفكار أكثر إقناعا من بعضها الآخر.
وتبرز بعض التعميمات الصعبة أو الصيغ السحرية، حيث إن فوكوياما يتمتع بمعرفة أوسع من أن يسمح لنفسه بفرض نظرته للتاريخ بالإكراه على الآخرين.
ويقول فوكوياما إن المنافسة العسكرية يمكن أن تدفع الدول إلى التطوير والتحديث، ويضرب أمثلة على ذلك من الصين القديمة واليابان وروسيا البيضاء في العصر الحديث.
لكنه يقول أيضا إن هناك عدة حالات لم يكن فيها أثر إيجابي للمنافسة العسكرية على بناء الدولة (مثل حالة أمريكا اللاتينية في القرن التاسع عشر) وحالات أخرى لعبت فيها دورا سلبيا (مثل بابوا نيو غينيا).
ويؤكد فوكوياما على أهمية تسلسل التطور السياسي، مشيراً إلى أن “البلدان التي سبقت فيها الديمقراطية بناء الدولة الحديثة عانت من مشاكل أكثر بكثير في تحقيق أسلوب حكم ذي نوعية عالية من تلك التي ورثت دولا حديثة من عهود الاستبداد” (مثل حالة روسيا البيضاء).
لاعبون أقوياء
لكن الجزء الأكثر إثارة للاهتمام في كتاب فوكوياما الجديد هو الذي يناقش فيه الولايات المتحدة الأمريكية، والتي يستخدمها الكاتب كي يبين التفاعل بين الديمقراطية وبناء الدولة.
يبين فوكوياما أنه حتى فترة القرن التاسع عشر، كانت الولايات المتحدة تعاني من نظام حكم استبدادي فاسد.
ولكن منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، تغيرت الدولة الأمريكية إلى لاعب مستقل قوي وفعال، في البداية على يد التقدميين وبعد ذلك بسبب الصفقة الجديدة أو الاتفاق الجديد (New Deal) وهي مجموعة من البرامج الاقتصادية التي أطلقت في الولايات المتحدة بين عامي 1933 و 1936.
هذا التغيير قادته ثورة اجتماعية سببها التوجه إلى التصنيع.
المثال الأمريكي يبين أن الأنظمة الديمقراطية يمكن بالفعل أن تبني دولا قوية، ولكن القيام بذلك، في رأي فوكوياما، يتطلب كثيرا من الجهود على مدى فترة طويلة من الزمن على يد لاعبين أقوياء ليسوا مرتبطين بالنظام القديم.
- - الكتاب: النظام السياسي والفساد السياسي: من الثورة الصناعية إلى عولمة الديمقراطية POLITICAL ORDER AND POLITICAL DECAY: From the Industrial Revolution to the Globalization of Democracy
- - الكاتب: فرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama
- - الناشر: بروفايل بوكس، 2014
أمريكا بين التطور والانحدار
إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تبين كيف يمكن للدول الديمقراطية أن تتطور، فإنها تبين أيضا كيف يمكنها أن تنحدر.
بالاستناد إلى مرشده ومعلمه صامويل هونتيجتون مرة أخرى، يذكرنا فوكوياما أن جميع الأنظمة السياسية ـ في الماضي والحاضر- قابلة للانحلال، في الوقت الذي تفشل فيه البنى المؤسساتية في التطور من أجل تلبية حاجات العالم المتغير.
يقول فوكوياما: حقيقة أن نظاما ما كان نظاما ديمقراطيا ناجحا ومستقرا في مرحلة ما لا يعني أنه سيبقى كذلك إلى ما لا نهاية، ويحذر من أن الولايات المتحدة ليست لديها حصانة دائمة ضد الانحدار المؤسساتي.
ويضيف: أنه على مدى العقود القليلة الماضية، انعكس التطور السياسي في الولايات المتحدة، فيما أصبحت الدولة أضعف، أقل فعالية، وأكثر فسادا.
أحد الأسباب هو تنامي عدم المساواة الاقتصادية وتمركز الثروة في أيادي شريحة قليلة من الأمريكيين، الأمر الذي سمح لأعضاء طبقة النخبة بشراء سلطة سياسية هائلة واستغلال النظام من أجل مصالحهم الخاصة.
السبب الآخر هو أن المؤسسات السياسية الأمريكية مليئة بالثقوب التي تخدم جماعات المصالح، مما يسمح لمجموعة من الفصائل التي لا تمثل الشعب بشكل عام بممارسة نفوذ غير متناسب على الحكومة.
النتيجة هي دائرة مفرغة تتعامل فيها الدولة الأمريكية بشكل سيئ مع التحديات الرئيسية، مما يعزز عدم ثقة الشعب بالدولة، وهذا يقود بالتالي إلى نفاد الموارد والسلطة من الدولة، الأمر الذي يقود إلى أداء أسوأ.
لا أحد يعرف بالتحديد أو حتى يستطيع أن يتنبأ إلى أين تقود هذه الدائرة المفرغة، حتى فوكوياما ذو الاطلاع الواسع، ولكن يكفي القول إنها لن تؤدي إلى نتيجة جيدة.
ويخشى فوكوياما أن مشكلات أمريكا قد تنتقل إلى أنظمة ديمقراطية أخرى أيضا، بما في ذلك الأنظمة الديمقراطية في أوروبا، حيث إن نمو الاتحاد الأوروبي وتحول صنع السياسة بعيدا عن العواصم الوطنية إلى بروكسل جعل النظام الأوروبي بشكل إجمالي يشبه نظام الولايات المتحدة بدرجات متزايدة، ويترك فوكوياما قراءه في حيرة ومفارقة مؤسفة.
الديمقراطية الليبرالية لا تزال أفضل نظام للتعامل مع تحديات الحداثة، وليس هناك سبب يجعلنا نعتقد أن البدائل الصينية أو الروسية أو غيرها يمكن أن تقدم فوائد اقتصادية وسياسية واجتماعية متنوعة يستفيد منها ويطمح إليها الإنسان بشكل عام، ولكن على الأنظمة الديمقراطية الليبرالية بشكل ما أن تعمل على إصلاح نفسها ومكافحة الانحلال المؤسساتي حتى تستطيع أن تطور نفسها بما يخدم مستقبلها كنظام سياسي فريد قادر على خدمة البشرية.
توازن المساءلة والقوة وسيادة القانون
بدأ فوكوياما المجلد الأول الذي يحمل عنوان “أصول النظام السياسي”، الذي نشره في 2011، بالقول إن التحدي الذي تواجهه الدول النامية حاليا هو كيفية بناء ديمقراطيات ليبرالية مزدهرة ومنظمة، هذا بدوره يتطلب فهم ما تتطلبه الديمقراطية الليبرالية (والتي يطلق عليها فوكوياما الاسم الرمزي “الدانمرك”)، بالاستناد إلى أفكار معلمه صامويل هونتيجتون، قال فوكوياما إن النظام السياسي يدور حول المؤسسات، وإن الديمقراطية الليبرالية بشكل خاص تستند إلى توازن حساس له 3 خصائص مميزة –المساءلة السياسية، دولة قوية وفعالة، وسيادة القانون.
المساءلة تتطلب آليات تجعل القادة يتجاوبون مع الشعوب، وهذا يعني ضرورة إجراء انتخابات حرة وعادلة وتعددية منتظمة، لكن الانتخابات وحدها ليست كافية: الديمقراطية الليبرالية الحقيقية تحتاج إلى مؤسسات للمحاسبة والمساءلة تستكملها حكومة مركزية تستطيع أن تعمل بفعالية وفقا لقوانين وأنظمة تطبق بمساواة على الجميع.
فوكوياما أظهر كيف أن هذه الخصائص الثلاث برزت خلال التاريخ الإنساني بشكل مستقل أو في ازدواجيات مختلفة.
الصين، على سبيل المثال، طورت مفهوم الدولة قبل أن تقوم أي دولة في أوروبا، ومع ذلك لم تتمتع الدولة في الصين بالمحاسبة والمساءلة السياسية ولا بسيادة القانون.
على عكس ذلك، طورت الهند ومعظم الدول الإسلامية، شيئا يشبه سيادة القانون في وقت مبكر، لكنها لم تطور دولة قوية.
ويشير فوكوياما إلى أن هذه الخصائص لم تبدأ في الظهور بشكل متزامن إلا في أوروبا في أواخر القرن الثامن عشر.
الكاتب في سطور
• فرانسيس فوكوياما (1952): عالم أمريكي في السياسة والاقتصاد من أصول يابانية يعد من أهم مفكري المحافظين الجدد.
من أهم مؤلفاته كتاب “نهاية التاريخ” (1992) الذي قال فيه إن انتشار الديمقراطية الليبرالية ورأسمالية السوق الحر وأسلوب الحياة في الغرب قد يشير إلى نهاية التطور الإنساني ويصبح الشكل النهائي للحكومة الإنسانية، لكنه عدل موقفه في كتابه التالي “الثقة” حيث اعترف بأن الثقافة لا يمكن فصلها عن الاقتصاد.

