هل الشهرة عفوية، مرتبطة فقط بالقيمة الجمالية للنص؟ لنأخذ مثالا غربيا حيا حيث لعبت آلة الإشهار دورا حاسما.
لقد بيع من رواية شيفرة دافانشي Da Vinci Code للأمريكي دان براون قرابة 100 مليون نسخة. رقم خيالي لم يسبق لأية رواية بالمعنى الكلاسيكي أن حققته، بما في ذلك الكتابات الحاصلة على جائزة نوبل مجتمعة. فكيف اخترق نص دان براون الحواجز كلها في ظرف أقل من سنة وقتها، ليصبح عالميا؟
هذا النص صاحبته من دعاية غير مسبوقة متعلقة بالعنصر الديني والفني والبوليسي، مما حوله إلى ظاهرة نموذجية للقراءة ونمط حياتي إذ صار من المخجل في الدوائر نصف المثقفة والمهيمنة على المشهد الثقافي العربي والعالمي، أن تقول إنك لم تقرأ دافنشي، وإنك لا تعرف مغامرة روبر لونغدن الخارقة وقوة بصيرته وذكاءه الكبير، ولا متاعب وظروف اغتيال محافظ متحف اللوفر، جاك سونيير الذي كان يملك سر الشيفرة التي خطها بدمه قبل أن يندثر، ولا جنون الألبينوس الضخم سيلاس وجرائمه حفاظا على استمرار سر مريم المجدلية، ولا الفتاة الأنيقة الحاملة لكل الأسرار المبهمة صوفي نوفو من سلالة سيدنا المسيح السرية، وغيرهم؟ ما السحر في نص هو في النهاية، على الرغم من حنكته التقنية وغواياته العديدة، لا يتعدى أن يكون نصا بوليسيا؟ كل ما قاله دان براون قاله قبله بسنوات، نيكوس كزانتزاكي في غواية المسيح الأخيرة، وقاله، من حيث البنية البوليسية والتفاصيل، أمبرتو أيكو في روايته اسم الوردة.
إن الأمر إذن لا يتعلق بجودة كتابية، ولكن بشيء آخر، أكبر وأخطر، الجهاز الترويجي المعقد والمتحكم الذي يفرض علينا القيمة التي يريد، بقوة سلطانه وليس بقيمة النص، وفق نظام السوق. الذي فرض ليون تولستوي كاتبا عالميا ليس الجهاز، ولكن الكتابة والقيمة، مثله مثل المعري، بلزاك، فلوبر، شارل ديكنز، شكسبير، سرفانتس، مارسيل بروست، جيمس جويس، هنري ميلر، نجيب محفوظ، وغيرهم. سلطان هؤلاء الأدبي كان أكبر من الجهاز، فعبرَتْ نصوصهم التاريخ لتتحول إلى مكون من مكونات الذاكرة الجمعية الإنسانية.

