سحب مجلس الشورى مشروع قانون مكافحة التحرش بعد عرضه قبل نحو خمسة أشهر، كما تحفظ المجلس على قانون الأحوال الشخصية الذي قدمته لجنة حقوق الإنسان والعرائض، وأحاله إلى لجنة الشؤون الإسلامية والقضائية، بحجة الاختصاص الشرعي.
وأكدت المصادر أن نظام مشروع مكافحة التحرش الذي تقدم به 4 أعضاء و4 عضوات، تم عرضه على المجلس بعد موافقة لجنة حقوق الإنسان، إلا أنه سُحب بعد ذلك، بعد رفض بعض الأشخاص له من خلال تعليقاتهم على الانترنت، التي ادعى بعضها فيها أن المشروع يعزز مفهوم الاختلاط. (الحياة 26 أغسطس 2004).
الخبر أعلاه بدأ بالفعل (سحب)، والفاعل مجلس الشورى، أما المفعول به فهو الآتي:
- (إدارة التحريات والبحث الجنائي بشرطة تبوك تلقي القبض على شخص اغتصب عدداً من الأطفال تتراوح أعمارهم ما بين (7 – 11) سنة خلال إجازة عيد الأضحى).
- (خمسيني يعتدي على طفل جنسياً).
- (القبض على عدد من المتحرشين بالنساء في المشاعر)!
هذه الأخبار “بعض” ما نُشر عن التحرّش خلال شهر واحد فقط - بكل أسف -، أو بشكل أدق هي (بعض) الأخبار التي أحدثت ضجة وأصبحت حديث الرأي العام، ولهذا يصبح السؤال منطقياً عن سبب سحب المشروع رغم أهميته؟
خارج مجلس الشورى سمعنا كثيراً مبررات المعارضين للمشروع من بعض العلماء وطلاب العلم، سواء من خلال تفاعلهم في مواقع التواصل الاجتماعي، أو من خلال اللقاءات التلفزيونية للكثير منهم، والاعتراض على المشروع لسبب مضمر وآخر ظاهر، فالأول هو الحساسية من كلمة “قانون” أو “سن قوانين” تعتبر “وضعية”، وأن “القرآن والسنة” هما النظام الأوحد الذي يحكم العلاقات بين الناس، وأي تشريع جديد هو تعد عليهما، أما السبب الآخر (الظاهر) الذي لا يقل تهافتاً عن الأول فهو القول بأن (المشروع يعزز مفهوم الاختلاط)، وبعيداً عن تأصيل وتتبع المصطلح، فهذا المُبرر مبني على سوء النية وعدم الثقة (في المرأة بالذات)، فمبررهم بوضوح (لو سُن قانون للتحرش فإن هذا القانون سيحمي المرأة التي تبحث عن فعل الفاحشة)!
ولو افترضنا -جدلاً- أن المشروع فعلاً يعزز الاختلاط، فما المانع من وجود قانون واضح يُجرّم التحرش، وقتها ستنتفي علّة التوجس من الاختلاط، لأن هنالك قانونا ضد التحرش المُحتمل حدوثه في الاختلاط، سيّما وأن الكل يحذر من الاختلاط ليس لكونه محرماً في ذاته (كالخلوة مثلاً)، إنما ينُظر إليه من باب (درء المفاسد) الذي سيغلقه القانون، ومع ذلك هذا المُبرر سيبدو تافهاً وغارقاً في (لبرلته وتغريبه) فيمن يصف المجتمع بصفات (حيوانية)، فالرجل هو (ذئب) والمرأة هي (فريسة) سهلة، والغريب فعلاً أن هنالك من (النساء) داخل قبّة مجلس الشورى من يتبنين هذه النظرة التي ترى المرأة ضعيفة جداً، ومكانها الآمن هو البيت وإلا ستنهشها الذئاب، ففي نقاش بتويتر حول الموضوع قالت عضو مجلس الشورى الدكتورة ثريا العريّض: (مع الأسف الشديد، ليس كل المعارضين لقانون التحرش رجالاً)، وهُنا تبدو الفكرة ساخرة أكثر مما ينبغي، فالمرأة المتعلمة تخرج لعملها وحياتها الطبيعية، لكنها ترى أن مكانها الطبيعي هو البيت!
الفرق بين المعارضين للقانون من خارج مجلس الشورى، ومن هم داخل المجلس (المجلس قال إن التوصية سُحبت، ثم تراجع وقال إنها لم تسحب بل أُجلت لمزيد من الدراسة، ثم سكت)، أقول الفرق بين من هم داخل المجلس وخارجه، أن المعارضين من خارج المجلس يبقى هذا رأيهم الشخصي، وتظل لهم مبرراتهم، بل ومن حقهم التصريح بتفاهة القرار، وحتى لو رفضوا دون مبرر منطقي، لكن المجلس مُطالب بأن يُبرر رفضه أو حتى (ممانعته) للقرار، فهذا ليس رأيا شخصيا للسادة أعضاء المجلس، فهل يدرك السادة الأعضاء مسؤوليتهم الأخلاقية أمام الأخبار التي أوردنا (بعضها) في مقدمة هذه المقالة؟!

