أحكم الفقر حلقاته، وأطبقت نوائب الدهر على أسرة اعتادت طيلة الأعوام السابقة أن تسكن في العراء بعيدا عن كل عين، بعد أن أخذتهم طبيعة حياتهم القديمة على الاستمرار في النمط نفسه والعيش في خيمة حولها القليل من الأغنام التي تأخذ أكثر مما تعطي، حسب ما قالته العمة «عاقلة « التي تجاوز عمرها مئة عام، وتسكن مع زوجها وبنتيها وابنها الأربعيني في العراء، يلتحفون السماء وينظرون إلى نجومها ليلا، هانئين بنسمة هواء عليلة في المساء، مفترشين الرمال البيضاء، يسترهم الظلام، ويفضح حالهم النهار في مشهد قاس يثير التساؤل عن الظروف التي أجبرتهم على العيش في هذا الموقع، يمتطون الأرض وتظللهم خرق بالية من الخيام البيضاء، لا تقي حرا ولا بردا.

«أسرة الصحراء» التي تسكن وسط الرمال على أرض بيضاء، تلتزم تعاليم وعادات عربية، وتسير على خطى القدماء، وتعيش في أرض قاحلة، تبعد عن مكة المكرمة نحو 110 كيلومترات، في نهاية طريق جدة ـ جيزان السريع، حيث منعطف ترابي إلى وسط الصحراء بمسافة تقدر بنحو 20 كيلو مترا جنوبا، وسط أكوام التراب البيضاء التي وإن هدأت للحظات عادت لتثور من جديد، في حياة طغت عليها الصعوبة، في محتوى معيشي لا يتجاوز الخيمات الثلاث.
«مكة» زارت هذه الأسرة التي تعود أصولها إلى إحدى القبائل العربية ذات الانتشار بالمملكة، وبمجرد بلوغ ذلك الموقع تقدمت سيدة كبيرة بالسن، وقد أطلقت على نفسها مسمى «بنت الرجال»، حيث أخذت فريق «مكة» إلى مجلس الضيوف، وهو عبارة عن خيمة خالية من كل شيء سوى حصيرة شاهدة على قسوة الحياة الغنية بالعفة.
ولم تتوان السيدة المسنة ذات المئة عام والتي تدعى «عاقلة «، في الترحيب وإعداد القهوة للضيوف، قائلة إنها منذ ولادتها وهي تعيش هذه الحياة التي لا تعرف فيها طعما للراحة، ومع ذلك تحبها، بعد أن اعتادت عليها، وهي تعيش بعيدا عن المدن ولا تذهب إليها، بينما يذهب زوجها لجلب حاجاته التي لا تتجاوز القليل من الدقيق والأرز، حيث لا يوجد في حياتهم اهتمام بالمناسبات المختلفة كأيام العيد وغيره، كما لا تتوافر لديهم الأساسيات من كهرباء أو ماء، وذلك كله خوفا من حياة التمدن التي لا يعرفون عنها الشيء الكثير.
عاقلة تقول إن الماء يصلهم بأجرة تبلغ 180 ريالا عبر أحد الأشخاص، حيث يوصله لهم بمركبته التي كتب عليها عبارة «غير صالح للاستهلاك الآدمي»، ولا يسعهم سوى دفع هذه الأجرة له حتى لا تموت أغنامهم، بعد أن فقدوا الأمل في تغيير نمط حياتهم التي وجدوا أنفسهم عليها، وتوالت الأعوام تلو الأعوام حتى أصبحوا في مهب الريح في منعطف صعب، يشعلون النار بالحطب، ويأكلون خبز البر، ويشربون من حليب أغنامهم، غير آبهين بما وصل إليه الناس من تقدم وازدهار في مجالات الحياة المختلفة.
وتشير عاقلة إلى أنها لا تريد أن تعيش بالمدينة، واصفة إياها بـ»غير الآمنة»، بينما تعيش مع بناتها وسط الصحراء وفي ظلام الليل وشمس النهار، تجوب حولهم مركبات من يمتهنون مهنة صيد الصقور وعابري الطريق.
وتقول إنها تعيش الحياة التي تعودت عليها منذ طفولتها وتزوجت على نفس وضعها وأنجبت، وهي الآن تواصل حياتها برفقة بنتيها الشابتين اللتين تساعدانها في شؤون الحياة، في خيام أحرقتها الشمس وأبادتها الأتربة التي ترتطم بجوانبها. وتواصل الحديث «الصحراء هي المكان الذي نستطيع أن نسكن فيه دون مقابل مادي ولا رسوم كهرباء، والحياة هنا قاسية، والأغنام مصدر غذائنا، نشرب من حليبها ونعتبرها سترة لحالنا، وإن كنا بعيدين عن أعين الناس في صحراء لا تؤمن إلا بالشقاء والحياة القاسية التي لا تغني ولا تسمن من جوع».
أما «صويدر المحلبدي»، ابن عاقلة، فيقول إنه وجد نفسه مع والديه في البادية، يرعى الغنم ويحضر الحطب ويشعل النار، حتى فاته قطار الزواج دون أن يهتم به، لأنه يدرك تماما أنه لن يجد الإنسانة التي ستقبل العيش معه في صحراء قاحلة، مضيفا أنه عندما يتعرض لعارض مرضي ويحتاج لعلاج، وهو أمر نادر جدا، بحسب قوله، فإن ذلك يلزمه الذهاب إلى أطراف محافظة جدة التي يصلها بمركبته عبر طرق ترابية، قاطعا مسافة تقدر بنحو 50 كيلو مترا.