بعكس ما كان عليه تنظيم القاعدة والعناصر التي وقعت في شراكه على امتداد السنوات الماضية فإن المنظمين لداعش جلهم من ذوي التعليم العالي، فالسواد الأعظم منهم يحملون شهادات لا تقل عن درجة البكالوريوس بخلاف الأطباء والمهندسين الذين يعلن عنهم بين فترة وأخرى ويذهبون ضحية العمليات الانتحارية، وعزت تقارير تزايد المنضمين لصفوف التنظيم إلى قوة الاستراتيجة الإعلامية وضخامة جهاز العلاقات العامة وقدرتهما على استمالة الشباب، إلى جانب قوة الخطابات التي يروج لها عبر شبكات التواصل الاجتماعية وقنوات التنظيم التي تعمل بجد لإيصال رسالتها إلى أكبر شريحة ممكنة.


الرعب أولا

وبحسب تقارير أجنبية فإن داعش سخر شبكات التواصل الاجتماعي لنشر الرعب بين الناس بطريقة لم يشهد التاريخ لها مثيلا، واستخدم التقنية الحديثة لتوثيق أعماله الميدانية عبر الصور ومقاطع الفيديو المروعة، بغية إبراز قوة التنظيم وإيصال رسالته إلى أكبر شريحة من البشر لكسب عناصر جديدة تدعمه على أرض المعارك التي يخوضها عناصره.
وفي ذات السياق وصف استخباراتيون استراتيجية داعش الإعلامية بـ “المنسقة” وأن مجموعات داعش تعدّ الأولى من نوعها التي تستخدم وسائل الإعلام الاجتماعية كسلاح فعال في الحرب.
ويحرص الدواعش على رفع صور القتل والتنكيل والقتل الجماعي على مواقع الانستقرام، فيما يغرد آخرون على تويتر معلقين على اللعب برؤوس المنحورين بأنها كرة قدم مصنوعة من رؤوس البشر وكأس عالم على طريقتهم.


العبارات الرنانة

ويلحظ المتتبع لأبواق داعش الإعلامية أن القائمين على وزارة إعلامه التي أنشئت لتوثيق العمليات وإدارة المعارك إعلاميا عمدوا إلى استخدام عبارات رنانة تلامس الأفئدة، فدفعوا بخارطة الخلافة الإسلامية، وروجوا لجوازات سفر داعش، تلاها ظهور أمير التنظيم والدعوة لمبايعته، وبحسب تقارير استخباراتية فإن ترديد العبارات والشعارات التي تلامس هموم الناس وتحرك مشاعرهم، أسهم في رفع أسهم داعش وساعد في الترويج لأفكار التنظيم، مع الجمع بين النجاحات الميدانية على أرض المعركة والحرب الإعلامية الدعائية التي أتقنها جهاز التنظيم.
وبعيدا عن نشر الخوف فقد أثمرت الاستراتيجية الإعلامية وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن إمداد داعش بالتمويل المادي والبشري، وذلك ببث تحديثات ما يدور في أرض المعركة عبر الوسائل المتاحة كافة.


إعلام ممنهج

وأكد محللون وخبراء عسكريون أن حرب داعش ووحشيتها التي روجت لها بطريقة إعلامية ممنهجة ساعدتا التنظيم في بسط نفوذه على الأرض، ففي العراق نشروا صورا لعمليات قتل نفذوها، مما دفع العراقيين للنزوح إلى أماكن بعيدة خشية أن يلقوا ذات المصير.
وأشار المحللون إلى أنه في حال هزمت داعش ميدانيا فإن ذلك لن يكون واضحا أو ملموسا استنادا إلى الزخم الإعلامي للتنظيم، والذي يعمد إلى تصوير داعش بأنها قوة عظمى لا يمكن كسر شوكتها.


كمّ وكيف

وبحسب الباحث في شؤون التمرد والإرهاب تشارلز ليستر فإن سياسة داعش الإعلامية تعتمد على الدفع بمعلومات تركز على الكم والكيف، لافتا إلى أن التدفق الذي لا يهدأ لمواد الترويج يعدّ بجودة عالية ما يعكس قوة التنظيم عسكريا وبشريا.
وأشار ليستر إلى أن التأثير على الرأي العام أولوية عند داعش، إذ تحول الخسائر والهزائم إلى غنائم وانتصارات كأدوات لحشد الدعم للتنظيم وكسب أفراد جدد ينضمون إلى صفوف المقاتلين.


3 ملايين تغريدة

من جهته تعقب الباحث في قضايا الإرهاب جي أم بيرجر نحو 3 ملايين تغريدة لداعش على تويتر، فوجد أن من يحركها أكثر من 7500 حساب يديرها التنظيم، مستخدما في ذلك هاشتاقات جهادية إلا أن عددا كبيرا منها أغلقت بعد وضع التنظيم على لائحة الإرهاب وبدء العمليات ضده.


نظام المطبوعات

بدأت داعش بتوزيع أول مطبوعة لها وحملت اسم “دابق” بواقع 50 صفحة، وتطبع بلغات عدة إضافة للعربية، ودعمت المجلة برسوم توضيحية ونصوص نفذت بدهاء تحكي في مجملها قصة نجاح التنظيم في كسب دعم القبائل، إضافة لتقارير ميدانية عن العمليات العسكرية، كما ضمّت رسوما بيانية للجرائم المنفذة ضد أعدائهم.
ودعت في افتتاحيتها العلماء والقضاة وأيضا الشعوب إلى الوقوف مع داعش ومؤسساته التي أنشئت، كما ناشدت الأطباء والمهندسين للإسهام في بناء الدولة والعمل على إكمال منشآتها الخدمية وروافدها المستقبلية.


تطويع النصوص

وروجت المجلة للخليفة أبو بكر البغدادي بتطويع نصوص قرآنية وأحاديث نبوية لصالح مبايعته مع تقديم شرح لنوايا الدولة الشرعية وسلطتها الدينية، ويبقى الغرض الأهم لـ “دابق” الترويج لتأسيس دولة خلافة إسلامية تحرر المسلمين من الهوان وتخلصهم من الظلم، وبهذه الفكرة يكون قد حقق أحد أبرز أهدافه لجذب الشباب وحثهم على الكفاح لبناء الدولة المزعومة، والتي بدورها ستعيد كرامة وهيبة المستضعفين المسلمين.


توثيق التحالفات

وإلى جانب التوثيق المسخر لكسب التأييد وصيد الشباب وإيقاعهم في شراك داعش، ركز الجهاز الإعلامي على توثيق كل التحالفات التي فاز بها التنظيم مع الأطياف الشعبية كافة، فنشر صورا لشيوخ قبائل في سورية يقدمون التأييد والبيعة لأمير التنظيم، ورفدها بتصريحات لأبناء القبائل من الجنسين تؤكد الولاء وتتضمن نداءات لدعم داعش اعتقادا منهم بصحة المنهج وسمو الرسالة.
ويحاول جهاز داعش الإعلامي من خلال ناطقه الرسمي كسب التعاطف القبلي، فيوجه النداء لشيوخ وأبناء القبائل ذكورا وإناثا، لشحذ همم الشباب ودفعهم للانضمام للتنظيم.


تعددية اللغات

وقال ممول داعش أبو ثائر الحلبوسي – قبل القبض عليه في الأنبار - في حديث أوردته صحف أجنبية “نعمل على إنشاء صحيفة ثانية تعنى بتوعية الناس بأهمية الخلافة وأهدافها ودورها في إحقاق الحق، إضافة إلى توضيح أسباب وجوب بيعة الناس لخيلفتهم أبو بكر البغدادي، مرجحا أن يطلق عليها اسم “الخلافة 2” أو “الوسيلة للخلافة” وستوزع بالمجان مثل “دابق”.
وأشار إلى أن فريقا متخصصا يعمل على إعدادهما للحصول على أعلى مستوى.
مضيفا “لن نكتفي بإصدار الصحف الورقية، بل سنصدر نسخة الكترونية من الصحيفتين سترسل وتنشر عبر البريد الالكتروني، لتصل إلى المهتمين بمتابعة أمور وأعمال التنظيم وستكون المطبوعات بالعربية والإنجليزية، ونسعى لإضافة الفرنسية أيضا”.
بينما أكد إعلاميون غربيون أن لدى داعش استراتيجية علاقات عامة تنافس العديد من المجلات الغربية من حيث الإنتاج والمحتوى، مستشهدين بمقال “التبصر في الدولة الإسلامية” الذي يفصل الاستراتيجية التنظيمية لداعش كاملة مع ما يصل إلى أحدث المعلومات بشأن “الانتصارات”.


تزايد النشاط

وتزايدت وتيرة النشاط الإعلامي في الآونة الأخيرة، فبثت وزارة إعلام داعش رسائل دعوة للانضمام للفرق القتالية مستخدمة لغاة عدة، بل أنشأت قنوات متخصصة لغير الناطقين بالعربية لجذب المجندين الغربيين، والترويج لذلك بإبراز المنضمين الغربيين للتنظيم أخيرا، إلى جانب ذلك نشطت أجنحة الوزارة في بث مواد إعلامية بغرض كسب تعاطف الجماهير، فصوّرت الخدمات المقدمة لأعضاء التنظيم، وعرضت مقاطع فيديو للعناية الطبية التي يتلقاها الجرحى من المقاتلين، كذلك توزيعهم الحلوى والآيس كريم على الأطفال في خطوة واضحة لكسب التعاطف والتأييد.


تخطي الحدود

ويصور جهاز داعش الإعلامي سهولة تخطي الحدود والوصول إلى مقرات داعش عبر أفلام تبث على اليوتيوب، يتحدث فيها مقاتلون عن طريقة الوصول للأراضي العراقية والسورية، ويصورون الأمر على أنه غاية في السهولة، وأظهر أحد المقاطع مقاتلا انضم أخير يقول “نحن لا نعترف بالحدود وسنكسر العقبات بين الدول”.


متابعو الحسابات

يقول J.M.Berger, editor of IntelW “ توجد آلاف الحسابات على تويتر مرتبطة بداعش، وينقسم أصحابها إلى فئتين؛ الأولى لمتشددين والثانية لمؤيدين، وهذه الحسابات تغرد بشكل مستمر، ربما كل ثانية، وتروج للعمليات الميدانية التي ينفذها أعضاء داعش، كذلك تسوق للتهديدات والعمليات المزمع تنفيذها”.


الإعلام الداخلي

يتولى قسم الأخبار التابع لقسم الإعلام الداخلي عبر نشرة النبأ التي تصدر كل أربعة أشهر توثيق الأعمال الميدانية بحسب التقسيم الجغرافي الذي أوجده داعش، وتضم النشرة التي تعدّ بمثابة أرشيف للأعمال القتالية كل الأعمال الميدانية منذ 1433، وتقدم في نهاية كل أربعة أشهر إحصاءات عن كل ما نفذ بشكل مجدول ومصنف.


التفوق على النصرة

وفي مقارنة لإدارة داعش الإعلامية لوسائل التواصل الاجتماعي مع تنظيم جبهة النصرة وتحت عنوان الإعلام الجديد والإرهاب الجديد، وصف تقرير صدر عن موقع “bustle” داعش بأنها من الجماعات المتشددة رفيعة المستوى في التعامل مع وسائل الإعلام عموما وتويتر والفيس بوك خصوصا، مشيرا إلى أن الزخم الإعلامي الذي يحظى به داعش غيّب الحديث عن جبهة النصرة بشكل تام.
ولفت التقرير إلى أن جماعات داعش الإرهابية استخدمت ثورة جيل الألفية التقنية المتمثلة في تويتر والانستقرام والفيس بوك، ودربت أعضاء جددا، كذلك قامت بالتنسيق للحصول على الدعم المالي لمصلحة التنظيم.


حجج واهية

من جهة أخرى رصدت دار الإفتاء قيام التنظيم الإرهابي بتدشين مطبوعات إعلامية تتسنمها “دابق” يستند فيها إلى أدلة وحجج واهية تخدم فكره البعيد عن وسطية الدين الإسلامي وباقي التشريعات السماوية، مما يسهم في زيادة أعداد المنضمين تحت لواء هذا الفكر الإرهابي لتزداد وتيرة العنف وتعم الفوضى ويدفع الآمنون أرواحهم ثمنا للوقوع في براثن هذا الفكر التكفيري.
وأكد مستشار مفتي مصر الدكتور إبراهيم نجم أن الحروب الإعلامية لا يتم الانتصار فيها إلا بحروب إعلامية مضادة، وذات كفاءة عالية في استخدام استراتيجيات إعلامية تفاعلية، منددا بطرق المواجهة الإعلامية المنتشرة في الإعلام العالمي في الفترة الحالية، والتي تواجه الدواعش بالتركيز على مدى وحشية ممارساتهم، وكأنهم يحاولون أن يثبتوا للعالم أن التنظيم شر مطلق، إلا أن القائمين على هذه الحملات لم يدركوا أن هذا يصب في مصلحة داعش التي نجحت في توجيه وتوظيف وسائلها ووسائل الإعلام العالمية في خدمة أهدافها المتمركزة حول نشر ثقافة الرعب والخوف من كيانهم الناشئ.


4 أسباب للإقبال على حسابات داعش:

أرجع تقرير عن إتقان داعش لاستخدام الإعلام الجديد وحمل عنوان “تويتر والفيس بوك استراتيجة الإيقاع بالشباب” توجه المتشددين لوسائل التواصل الاجتماعي لأسباب أربعة، هي:

  • 1-سرعة التفاعل.
  • 2- سهولة التغرير بأكبر شريحة عمرية مهتمة بالشبكات الاجتماعية، وهي شريحة الشباب.
  • 3- الوصول الفوري للأفراد.
  • 4- نوعية الأعمال القتالية المنفذة.


استراتيجية المناشدة

تعمل العلاقات العامة بداعش وفق خطط محكمة ومدروسة للتغرير بالناس، وكسب قوى بشرية تنخرط مع المقاتلين، فتقدم باسم الخليفة المواثيق بتقديم الخدمات، وتعدهم بأمور من بينها:

  • - إعادة الممتلكات إلى أصحابها الشرعيين.
  • - ضخ ملايين الدولارات في الخدمات التي تهم الناس.
  • - تحقيق الأمن والاستقرار.
  • - توفير الغذاء والمنتجات الاستهلاكية.
  • - خفض معدلات الجريمة.
  • - رعاية الأرامل وكفالة الأيتام.
  • - إلغاء الرسوم والضرائب.
  • - تسليح القبائل لمواجهة الحكومات.


التواصل الاجتماعي

عطفا على منهجية العمل الإعلامي، قسم المعنيون بوزارة الإعلام شبكات التواصل الاجتماعي التي أنيطت بها مهام محددة كالتالي:

  • - الإعلامي الرسمي: يحمل اسم الإعلام الداخلي ومهمته توزيع تسجيلات وبيانات التنظيم.
  • - الأقاليم: بث حي للأحداث والصور من المناطق المسيطر عليها.
  • - المجاهدون: يتحدث عبرها المقاتلون عن تجاربهم وحياتهم اليومية.
  • - المؤيدون: يرصد أصداء الموالين للتنظيم ويقيس مدى الرضى لدى الناس.
  • - تويتر: استخدام الهاشتاقات النشطة مثل كأس العالم والعلامات التجارية للترويج لفكر التنظيم وكسب المقاتلين بكل اللغات الممكنة.

 

ناطق داعش بدأ مبلطا فأصبح مطبلا

طه صبحي فلاحة، الوجه الإعلامي والناطق الرسمي باسم تنظيم داعش والذي أصبح اسمه بعد الانخراط في التنظيم أبومحمد العدناني، لم يكن يوما على علاقة بالإعلام ولم يتخرج من كلية متخصصة، بل بدأ حياته “مبلطا”، وإن شئت “مليسا” وقفز ليكون أحد أبرز الأسماء التي تتصدر المشهد الداعشي.
ولد فلاحة في 1974 وعاش في أسرة بسيطة ميسورة الحال، كانت سمته الهدوء وحياته الاجتماعية تتصف بالوداعة، إذ لم يدخل في مشاجرات مع أبناء الحي الشمالي ببنش السورية الذي كان يسكنه، إلا أنه مع مطلع 2000 اختفى عن الأنظار حتى ظنت أسرته أنه قتل في العراق.
بالتزامن مع بدء الثورة السورية عاد فلاحة لمسقط رأسه وحينها تزوج وعاد إلى العراق، وبعد فترة وجيزة طفا على السطح متحدثا لتنظيم داعش، ويبدو أن سبب اختياره بوقا للتنظيم رغم تعليمه البسيط، فصاحته التي اكتسبها من قراءة القرآن والدورات التي خضع لها في وقت يتبع فيه داعش سياسة إعلامية ممنهجة لها استراتيجيتها القوية.
حرية ناطق داعش أبت أن تدوم طويلا بعد أن بات مطلوبا أمنيا وصنف ضمن المطلوبين الأخطر، فأدرجه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بين 6 عناصر من داعش على قائمة الإرهاب ليصبح قاب قوسين أو أدنى من الموت أو السجن.