يقول الله تعالى في القرآن الكريم «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات».
يمكننا أن نتصور برنامج طالب أصم في السادسة من عمره كما يلي: ينهض صباحا ويحمل حقيبة ثقيلة على ظهره ويذهب إلى المدرسة وهو لم يفهم ما هي المدرسة، ويجلس في الفصل وهو لم يفهم أيضا ما يشرحه المعلم، لضعف لغة التواصل المباشر بينه وبين المعلم، ولم يتعلم اللغة العربية والمواد الأساسية جيدا.
يعود إلى المنزل ويرمي الحقيبة على الأرض ويجلس على الكرسي ويتفرج على التلفزيون وهو لم يفهم أيضا، ويستخدم ألعابا الكترونية في عصر التكنولوجيا حتى موعد النوم في المساء كالعادة دون حل الواجبات المنزلية، لأنه لم يفهم ما هي الواجبات المطلوبة! ماذا تفعل مدارس الصم والدمج؟ لا أحد يدري عن ذلك.
هذا الطالب الأصم يمثل الكثيرين وليس كل الصم في بلدنا ممن لم ينالوا نصيبهم من التعليم والخبرة في الحياة.
وفقدان السمع لا يتسبب في التأثير السلبي بدرجة كبيرة على مستوى التعليم العام والجامعي وعدم القدرة على التعلم، كما يعتقد الكثيرون، ولكن السبب الحقيقي هو سوء تصميم المناهج التعليمية، وضعف التواصل المباشر بين الطلاب الصم والمعلمين، وعدم وجود كادر تعليمي قادر على التعامل مع الطلاب الصم.
وكل التجارب التعليمية في بلدنا فشلت فشلا ذريعا! نستطيع القول إن الطلاب الصم هم الضحية، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها.
في الحقيقة أن تعليم الصم في بلدنا يعاني من مشاكل خطيرة لا حصر لها، منها: المشكلة الأولى أن النظام التعليمي يقوم على الحفظ والتلقين بطريقة ببغائية، ويقدم الأجوبة الجاهزة لكل أسئلة المواد الأساسية، فلا يتعلم الطلاب والطالبات شيئا حتى يحصلوا على شهاداتهم.
.
هذه الوثيقة توضح أن انتقال الطلاب والطالبات الصم من مرحلة إلى أخرى يتم بطريقة الشفقة والمجاملة والإطراء غير المبرر.
المشكلة الثانية أن عددا كبيرا من الطلاب الصم الصغار يبقون في المدارس دون التعلم بشكل حقيقي ومطلوب من أي نوع.
من الطبيعي والمتوقع جدا أن يحرم هؤلاء الصم من الحق في التعلم، وسيظلون في أميتهم إلى الأبد.
يجب أن نعترف أن أغلب الأشخاص الصم في بلدنا يعانون من ضعف اللغة العربية.
ربما تسأل: لماذا؟ التوضيح ببساطة أن لغة الصم العرب هي لغة الإشارة الأولى بطبيعة الحال، واللغة العربية تعتبر لغة ثانية، لغة السامعين العرب هي اللغة العربية الأولى -على سبيل المثال- ولغتهم الثانية المكتسبة هي اللغة الإنجليزية، ويمكننا أن نرى أن الشخص المستمع ضعيف في اللغة الإنجليزية، لأنه لم يتعلمها بشكل جيد من المدارس كما هي الحال تماما لدى الطلاب الصم في تعليم اللغة العربية من الواقع.
المشكلة الثالثة هي عدم وجود مراكز لتعليم اللغة العربية للصم، وأيضا عدم وجود إعداد وتأهيل للمعلمين لكي يتمكنوا من القيام بمهمة تدريس اللغة العربية للطلاب الصم.
يجب أن نتذكر أن اللغة العربية جزء لا يتجزأ من هويتهم الثقافية ولا يمكن تجاهلها، لذا الطلاب الصم بحاجة ماسة إلى ممارسة القراءة والكتابة بأنفسهم منذ الصغر، وأيضا هم بحاجة إلى فهم القراءة والكتابة دون الاعتماد التام على مترجمي لغة الإشارة.
ولو لم تتم معرفة القراءة والكتابة لدى الطلاب الصم في المدارس، فما الجدوى من التعليم الجامعي إذن؟ المشكلة الرابعة أن المؤسسات الحكومية والخاصة قد أنفقت الأموال الكثيرة لدعم مشروع القاموس الإشاري لتدريب المعلمين والمتخصصين ومترجمي لغة الإشارة في بلدنا دون النظر إلى تقديم أي دعم لمشروع اللغة العربية للصم، ولا أنكر ذلك، ولكن النتيجة فشل، وأجزم بأن هذه الخطة سوف تفشل فشلا ذريعا ولا يمكن تحقيق النجاح بها.
كما أن التركيز على دورات لغة الإشارة وتفعيل القاموس الإشاري فقط دون النظر إلى تقديم دورات اللغة العربية للصم تقليد أعمى وفيه قلة منطق، وهذا الواقع سيثبت فشله سريعا! فليس منطقيا لأي شخص أن ينفق الأموال الضخمة على مشروع القاموس الإشاري وينكر دعم مركز اللغة العربية للصم.
ربما تسأل: ما الحل؟ الحل الوحيد في تقديري هو إنشاء مركز لتعليم اللغة العربية للصم.
وأعني هنا إنشاء مركز مستقل وبحثي للغة العربية، والتطبيق على منهج التعليم الثنائي (Bilingualism) تحت إشراف وزارة التعليم.
أنا واثق تماما أن تلك الأموال لو أنفقت على دعم إنشاء مركز اللغة العربية للصم، ودعم الوسائل التقنية المتطورة التي تساعد على تحسين مستوى اللغة العربية لما كان هذا المستوى المتدني في مهارات القراءة والكتابة لدى الطلاب الصم، ولتمكنوا من التواصل مع المجتمع العام دون الحاجة إلى الاعتماد على الآخرين، ولتمكن الصم من الدفاع عن أنفسهم، وتعزيز الاستقلال الشخصي لديهم، لذا أرى أن إنشاء مركز تعليم اللغة العربية والبحث العلمي المتعلق بالصم مسألة مطلوبة وضرورية، لأنه سيحل هذه المشكلة المعقدة.
ليس من اللائق، بل من المرفوض في بلدنا العزيز أن الطالب الأصم يولد ويتخرج في المرحلة الثانوية وعقله صفحة بيضاء خالية من القراءة والكتابة ويبقى أميا، فهذا الحال لا يرضي أحدا.
المستقبل المجهول للطلاب الصم.. يا وزير التعليم
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
