“كانت تلك أفضل الأوقات، وكانت أسوأ الأوقات، كان ذلك عصر الحكمة، وكان ذلك عصر الحماقة، كان وقتا للإيمان، وكان وقتا للشك، كان موسما للضوء، وكان موسما للعتمة، كان ربيع الأمل، كان شتاء اليأس، كان لدينا كل شيء قبلنا، لم يكن لدينا أي شيء قبلنا، كنّا جميعا نتجه مباشرة للجنّة، كنّا جميعا نتجه مباشرة للطريق الآخر”.
هذه المقدمة الخالدة من رواية “قصة مدينتين” للأديب الإنجليزي تشارلز ديكنز، وهي تلخص أيضا حال أسواق النفط في عام 2014 الذي تغير فيه كل شيء بين اجتماعين لمنظمة “أوبك” واللذين عقدا في العاصمة النمساوية فيينا حيث يقع مقر الأمانة العامة للمنظمة.
و”قصة الاجتماعين” هي قصة أسواق النفط بين الاجتماع الصيفي لأوبك الذي عقد في مطلع يونيو، والاجتماع الشتوي في 27 نوفمبر حيث كانت “مكة” شاهدة عليهما.
أفضل الأوقات
تغيرت أسواق النفط كثيرا بين الاجتماعين، وفقدت أسعاره نحو 50% من قيمتها بينهما. كان الاجتماع الصيفي “أفضل الأوقات” عندما كان النفط عند 115 دولارا، فيما كان الاجتماع الشتوي “أسوأ الأوقات” عندما دخلت الأسعار في مستويات 80 دولارا، واقتربت من مستويات 70 دولارا بسبب تخمة المعروض النفطي في السوق العالمية وتباطؤ الطلب على النفط بصورة لم يتوقعها الجميع.
ربيع الأمل
عندما كان وزراء النفط يتوافدون إلى فيينا للاستمتاع بجوها الصيفي الجميل كان الاجتماع الصيفي “ربيع الأمل” ولم يكن هناك ما يشغل بالهم حيث السوق مستقرة والأسعار متماسكة فوق 100 دولار لثلاث سنوات ونصف السنة، وكما قال أحد الشخصيات المهمة في أوبك لـ”مكة” حينها: “لماذا نفعل أي شيء؟! الأسعار عالية والسوق مستقر فلنتركه كما هو.” كان ربيع الأمل قويا لدرجة أن وزير البترول السعودي المهندس علي النعيمي حضر إلى فيينا صبيحة يوم الاجتماع ثم غادر عقب الاجتماع مباشرة للاستمتاع بإجازته السنوية وهو شيء لم يفعله منذ سنوات طويلة.
شتاء اليأس
ثم جاء “شتاء اليأس” في اجتماع نوفمبر وحضر بعض الوزراء كالعادة قبل الاجتماع بأيام حتى يتسنى لهم التخطيط والتشاور فيما بينهم حيال ما سيفعلونه. والتقى وزراء السعودية وفنزويلا الأعضاء في أوبك بوزراء روسيا والمكسيك وهما دولتان خارج أوبك بهدف التشاور في حال السوق وهذا أمر لم يحدث منذ عام 2001 عندما كانت أوبك تنسق مع خارج أوبك لرفع الأسعار. لكن السعودية وصلت إلى نتيجة وهي “اليأس” من أن يكون هناك تعاون دولي بين المنتجين داخل وخارج أوبك، وهو ما صرح به الوزير النعيمي قائلا إن أوبك حاولت التنسيق مع المنتجين خارج أوبك، ولكن المحاولات لم تكن ناجحة. وبسبب هذا اليأس فقد اتخذت السعودية قرارا بألا تقوم أوبك بخفض إنتاجها لتترك الأسعار تهبط إلى المستويات التي يحددها السوق حتى وإن كانت أقل مما تحتاجه ميزانيات غالبية الدول.
وقت الإيمان
كان الاجتماع الصيفي والنصف الأول من عام 2014 “وقتا للإيمان” وكان الكل مؤمنا بأن السوق مستقر، وأن النفط الصخري الذي كان يتزايد إنتاجه يوما بعد يوم بفضل الأسعار العالية ليس إلا مصدر استقرار وأمان للسوق، وخاصة أنه يغطي الانقطاعات من ليبيا والعراق ونيجيريا، ولهذا فإنه يسهم في استقرار السوق وإعطائه عمقا، ويجعله أقل تفاعلا مع التذبذبات والإشاعات.
وكان إنتاج الولايات المتحدة من النفط الصخري زاد في السنوات الثلاث الأخيرة، أي منذ عام 2011 بمعدل مليون برميل يوميا كل سنة ليرتفع إجمالي إنتاج أمريكا من النفط من قرابة 6 ملايين برميل يوميا في 2011 إلى 9.1 ملايين برميل يوميا بنهاية 2014. وأدت الزيادة إلى تقليص واردات الولايات المتحدة من أوبك، وبخاصة من الجزائر ونيجيريا نظرا لأن النفط الصخري قريب في خصائصه من نفوط هذين البلدين، فهو نفط خفيف وحلو.
وقت الشك
ثم جاء النصف الثاني من العام وجاء “وقت الشك” في كل شيء. ففي النصف الثاني بدأت ليبيا في زيادة إنتاجها عقب سنة ونصف السنة من النزاعات الداخلية، وارتفع الإنتاج مما بين 250 ألفا إلى 300 ألف برميل ليصل إلى 800 ألف برميل، وبدأت الأسعار تهبط حينها عندما بدأ السوق يشك أن المعروض سيكون أعلى من الطلب. وزادت الشكوك في أكتوبر عندما بدأت دول أوبك تعطي تخفيضات على نفوطها لتشجيع الطلب في آسيا، وهو ما فسره السوق على أنه بداية حرب للأسعار بين المنتجين، تماما مثلما حدث في منتصف الثمانينات. وأصبحت كل حركة يقوم بها المنتجون يتم تفسيرها على أنها جزء من حرب أو صراع. وفي الحقيقة فإن هناك صحة لكل هذه الشكوك، فدول أوبك أعلنت بكل صراحة أنها ستدافع عن حصتها السوقية مهما كلف الأمر.
وعبر عن حالة الشك هذه بكل دقة مصرف سوستيه جنرال الفرنسي الذي علق في تقرير له على هبوط الأسعار في نوفمبر بعد إعلان السعودية أنها سترفع أسعار بيع نفطها إلى آسيا وتخفضها إلى الولايات المتحدة. يقول المصرف: “تجهز السوق لخفض الأسعار قبل إعلان أرامكو عن قائمة أسعارها ظنا منهم أنها سوف تعطي تخفيضات إضافية لزبائنها في آسيا، ولكن هذا لم يحدث حيث رفعت أرامكو الأسعار، وبدلا من أن ترتفع الأسعار استمر الجميع في البيع مستخدمين حجة خفض أرامكو سعر نفطها لأمريكا كذريعة.”
لدينا كل شيء
وبالنسبة لأسعار النفط فكان “لدينا كل شيء” قبل الاجتماع الصيفي، وكانت الدول تبني ميزانياتها على أسعار حول أو فوق 100 دولار للبرميل. ثم بدأ الهبوط وتحولت الدول إلى التقشف، ولم “يعد لدينا شيء” في النصف الثاني. وأعلنت العراق على سبيل المثال أنها ستحسب ميزانية 2015 على أساس سعر نفط عند 60 دولارا للبرميل أقل بنحو 30 دولارا من ميزانية 2014. وفعلت الكويت نفس الشيء حيث ستحسب ميزانيتها على أساس 55 دولارا تقريبا بدلا من 75 دولارا في 2014. وبحسب البنك الفرنسي فإنه لم يكن هناك مبرر لهبوط أسعار النفط بصورة كبيرة بعد أن قامت السعودية برفع أسعار بيع نفطها لآسيا وأوروبا وهي الخطوة التي أكدت من خلالها عدم وجود حرب أسعار. ولكن يبدو أن السوق تجاهل ما فعلته السعودية عمدا واستمر البيع لتستمر الأسعار في الانخفاض.
ويضيف سوسيته جنرال الفرنسي حينها: “كل ما فعله سوق النفط كان خاليا من المنطق تماما إذا ما تكلمنا بلغة الأرقام. أولا هذه ليست هي المرة الأولى التي تقدم فيها السعودية تخفيضات للولايات المتحدة في الأشهر الأخيرة. وثانيا كان السوق طيلة الأشهر الماضية يراقب الأسعار التي تقدمها السعودية لزبائن آسيا، والتحول المفاجئ للسوق للاهتمام بالأسعار المقدمة لأمريكا وتجاهل الأسعار المقدمة لآسيا لا يوجد فيه أي منطق.”
نتجه للجنة
وفي النصف الأول من 2015 كانت الصناعة النفطية “تتجه للجنة” الاستثمارات تزداد في كل مكان في العالم، حتى إن اكسون موبيل وروسنفت الروسية أعلنتا أنهما اكتشفا حقلا للنفط في المحيط المتجمد الشمالي. وبسبب الأسعار فوق 100 دولار كانت الاستثمارات في إنتاج النفط الصخري عالية جدا، ولكن في النصف الثاني وبعد هبوط أسعار النفط أصبح كل شيء يتجه “للطريق الآخر” وتقلصت أعداد الحفارات، وأعلنت بعض الشركات الأمريكية مثل كونكو فيلبيس وكونتنتال ريسورسز أنها ستخفض نفقات البحث والاستكشاف والتطوير بنحو 20% في العام المقبل.
هذا الأمر جعل كبير الاقتصاديين في وكالة الطاقة الدولية فتيح بيرول يخرج ويقول قبل أسابيع بسيطة إنه يجب علينا ألا نغتر بما يحدث اليوم من وفرة في إنتاج النفط بسبب النفط الصخري، فإن أسعار النفط المنخفضة ستخفض الاستثمارات مما يعني انخفاض الإنتاج مستقبلا، وهو ما سيجعل أسعار النفط تعود إلى 100 دولار في غضون سنوات قليلة، ولكن هذه المرة ستعود ليس بسبب المخاطر الجيوسياسية بل بسبب الأساسيات في السوق.
عصر الحكمة
ونبقى مع سعر 100 دولار والذي سيغادرنا مع مغادرة عام 2014 آخذا معه الاستقرار الذي عاشته أسعار النفط لأكثر من 100 دولار لمدة ثلاث سنوات، وستعود للتذبذب الحاد مجددا وتعود التخبطات في السوق.
كان عام 2014 مفاجأة حقيقية للأسواق والمنتجين، إذ لم يتوقع أحد أن يكون النصف الثاني من العام كارثيا لأسعار النفط بعد أن ظلت تتداول فوق 100 دولار خلال كامل النصف الأول من العام.
وأبرز ما يميز هذا العام هو أنه شهد أحداثا نفطية قد تجعل منه عاما تاريخيا قد تتحول معه الصناعة والأسواق لتدخل مرحلة جديدة لم تشهدها من قبل، وهي المرحلة التي تركت فيها منظمة أوبك أمر تحديد الأسعار بالكامل للسوق.
ومنذ تأسيسها في 1960 وحتى يومنا هذا كانت سياسات أوبك تدور حول الحفاظ على مستوى معين للأسعار أو على الأسعار والإنتاج معا، ولم تتخل عن هذا النهج حتى عام 2014. وهذا أمر طبيعي لمنظمة أنشئت كردة فعل على استبداد الشركات الأجنبية العالمية المعروفة باسم الأخوات السبع بتسعير نفط البلدان المنتجة. ولم تكن أوبك لتولد لولا قيام تلك الشركات بتخفيض أسعار النفط حينها.
ولكن كل شيء تغير الآن واتخذت أوبك برئاسة السعودية قرارا تاريخيا في الاجتماع الذي تم عقده في العاصمة النمساوية فيينا في نوفمبر الماضي بمقتضاه ستترك أوبك السوق ليتحكم في مصير الأسعار لفترة من الوقت.
ولا أحد يعلم إلى الآن ما إذا كانت أوبك بقرارها هذا تعيش “عصر الحكمة” أم لا.. كل شيء سيتضح في 2015 كما قال الأمين العام لأوبك الليبي عبدالله البدري والذي يعتقد أن النصف الأول سيحدد كل شيء وستتضح صورة ما إذا كان قرار أوبك سليما أم لا؟.
أهم أحداث النفط في عام
- فبراير : مركز وزير البترول السابق أحمد زكي يماني للدراسات يقفل أبوابه بعد 24 سنة.
- مايو : أرامكو تعلن زيادة احتياطيات الغاز إلى 288 مليار قدم مكعب والنفط إلى 260.2 مليار برميل.
- يونيو : استهلاك الديزل والبنزين في السعودية يصل إلى مستوى تاريخي.
- يوليو : إنتاج العراق ينخفض بعد استيلاء داعش على حقول في الشمال ومحاصرة مصفاة بيجي.
- أغسطس : صادرات الديزل السعودي تصل لمستوى قياسي مع بلوغ مصفاة ساتورب كامل طاقتها.
- سبتمبر : أسعار النفط تودع 100 دولار وتدخل في مستوى 90 دولارا.
- أكتوبر : السعودية تقفل حقل الخفجي المشترك مع الكويت لأسباب بيئية.
- أكتوبر : النفط يدخل في مستويات 80 دولارا.
- نوفمبر : أوبك تتخذ قرارا للمرة الأولى في تاريخها بترك الأسواق تحدد الأسعار.
- ديسمبر : أسعار النفط تهبط تحت 60 دولارا لأدنى مستوى منذ 2009 .

