بنايات ضخمة تضم طوابقها شققا عدة، وتحملها أساسات وضعت على أرض رخوة مليئة بالمياه الجوفية، فضلا عن كثافة سكانية وزحام سيارات يشهدها مخطط الحرمين بجدة، في صورة تنبئ بأنه سيتحول لحي عشوائي في المستقبل.
وازداد الأمر سوءا بعد انتشار المرافق الخدمية والعيادات الطبية وشركات القطاع الخاص والتي اتخذت من البنايات المنتشرة في الحي مواقع لها، في وقت تفتقر فيه إلى مواقف مخصصة للسيارات، وانعدام وسائل السلامة نتيجة عدم ملاءمة مبانيها المصممة للسكنى، غير أن رغبة ملاك تلك المباني في كسب المال بأي طريقة حولها إلى منشآت متعددة التخصص.


استعجال البناء

منذ ثلاثة أعوام، اضطر الدفاع المدني إلى إخلاء 32 شقة نتيجة تصدعات في أعمدتها البنايات الأساسية، ومكث قاطنوها بعد إخراجهم في وحدات سكنية مفروشة مدة 9 أشهر، ما تسبب في إدخال الريبة والخوف في نفوس سكان الحي.
أحد سكان مخطط الحرمين علي أحمد، أرجع أسباب إشكاليات العمائر السكنية إلى استعجال ملاكها في بنائها، يقول متحدثا لـ»مكة»: تظهر عيوب من فترة لأخرى في البنايات، إذ تصب الأساسات على أرض مليئة بالمياه الجوفية في ظل غياب مراقبي البلديات وعدم تنظيم جولات ميدانية تراقب المقاولين وعمليات البناء.
ولفت إلى أن معظم عمليات البناء تتم على أيدي عمالة بعيدة عن الرقابة، ما يجعلهم يخالفون أنظمة صب الخرسانة والبناء ومقاسات وسماكة الصبات، إلى جانب تقليل عدد أسياخ الحديد أثناء تسليح المباني في ظل غياب مهندسي الإشراف.


هبوط أساسات

وأوضح أحمد أن البناية التي يسكن فيها والمكونة من أربعة طوابق يحوي كل طابق منها شقتين، تعرضت إلى هبوط في أساساتها، ويضيف: بدأت الإشكالية من قاعدة المصعد حيث هبطت وتسببت في تشققات الجدران، وعندما حاولنا إصلاحها أبلغنا المهندس بأن سببها نزول الأعمدة وهبوطها داخل الأرض.


زحام

في حين يشتكي ساكن آخر يدعى أبوأنس، من كثرة السيارات داخل المخطط، ويقول: نعاني من إشكاليات مواقف السيارات، فكل شقة سكنية يخصص لها موقف واحد، بينما لا يقل عدد السيارات منزل عن سيارتين، مضيفا: الزحام عادة ما يكون واضحا في صلاة الجمعة، إذ لا يجد المصلون مواقف كافية لسياراتهم، مما يضطرهم إلى إيقافها عشوائيا أمام العمائر السكنية، ما يعيق الحركة ويعطل مصالح السكان.
وزاد: المخطط يشهد توسعا في عدد الشركات ومنهم من سلم عمائره لشركات تستأجرها، وآخرون حولوها إلى وحدات سكنية مفروشة، ما زاد من معاناة تكدس السيارات، لا سيما وأنهم كانوا قبل انتشار رقعة البناء يستخدمون الأراضي الفارغة.


الصرف الصحي

ومن جملة الإشكاليات المواجهة لسكان مخطط الحرمين، لفت أبومحمد إلى وجود خلل في تنفيذ خطوط الصرف الصحي في المخطط، وقال: أحيانا تتعرض الخطوط إلى الانسداد نتيجة صغر حجمها، ما يؤدي إلى عدم دفع المياه وتبدأ المياه بعدها في إغراق الشوارع والطرقات، واصفا الوضع بـ»المأساوي» بعد تخلي البلديات عن مسؤولياتها.


غياب مواصفات

أمام ذلك، حذر خبير السلامة والحرائق اللواء عبدالله الجداوي، من خطورة الفوضى التي تشهدها مخططات شقق التمليك وعلى رأسها مخطط الحرمين، باعتبارها تهدد الأرواح على خلفية افتقارها للمواصفات والمعايير المنصوص عليها في النظام.
وقال لـ»مكة»: معظم مخططات شقق التمليك تعاني من العيوب، غير أن الحرمين تظهر فيها تلك العيوب بشكل كبير كونه يحوي بنايات ضخمة ذات حمل ثقيل تم بنائها على أرض رخوة تحوي نسبا عالية من المياه الجوفية.
وبين أن هذه العمائر تبنى بعد حصول ملاكها على رخص بناء من الدفاع المدني والبلديات، فتنشأ سريعا دون الالتفات لجودة العمل، ثم تباع شققها بعشوائية دون التأكد من تطبيق اشتراطات البناء الواجب توفرها.


تخبط أنظمة

وزاد: سبق وأن تقدمنا باقتراح ينص على ربط بيع شقق التمليك بالجهات المانحة لرخص البناء بحيث لا يتم البيع إلا بعد التأكد من استيفائها لكافة المتطلبات، مع تزويد مشتري الشقق بخرائط لتمديدات السباكة والكهرباء ونوعية المعدات المستخدمة، إلا أنه لم يتم التجاوب مع ذلك المقترح.
وذكر أن حادثة إخلاء العمائر السكنية في مخطط الحرمين أظهرت تخبطات في تطبيق النظام، إذ لم يتمكن الدفاع المدني من تحديد المسؤول الحقيقي عن هذه الحادثة في ظل تملص كل جهة من مسؤوليتها.


بناء تجاري

وأشار إلى أن مواد البناء المستخدمة في عمائر شقق التمليك عادة ما تكون من النوع التجاري الرديء، وتابع: الموردين يسألون المشتري عن غرض عمارته، فإذا كانت لسكنه الشخصي يقدمون له مواد أصلية، بينما يبيعونه الأنواع الرديئة إذا ما كان يرغب في المتاجرة بالشقق الموجودة في عمارته.


تآكل الحديد

من جهته، أكد مهندس معماري فضل عدم ذكر اسمه، أن معظم بنايات شقق التمليك في مخطط الحرمين باتت تعاني من تآكل الحديد في أساساتها، نتيجة عوامل الرطوبة والمياه الجوفية المشبعة للتربة، موضحا أن ذلك يشكل خطرا كبيرا على الساكنين فيها.
وقال لـ»مكة»: لا بد من وضع ضوابط تنص على عدم إدخال خدمات الكهرباء والماء وغيرها لأي مبنى إلا بعد الوقوف عليه والتأكد من تنفيذ البناء وفقا للتراخيص الممنوحة لمالكه، إلى جانب ضبط عمليات بيع شقق التمليك كي يتمكن المشتري من الرجوع للمالك في حال حدوث خلل بالبناء.


الأمانة تخلي مسؤوليتها

أمام ذلك أخلت أمانة محافظة جدة مسؤوليتها من أي قصور في تنفيذ المباني بمخطط الحرمين على اختلاف أحجامها، عادة أن ذلك يندرج تحت مسؤوليات ملاك المباني أولا ثم المقاولين المنفذين بالتضامن مع المكاتب الهندسية المشرفة على التنفيذ، إلى جانب المصممين.
وأوضح مدير العلاقات العامة والتواصل في أمانة محافظة جدة محمد البقمي، أن دور الأمانة ينحصر عند إصدار رخص البناء في التأكد من ملكية الأرض واعتماد الرسومات الهندسية المقدمة للمشروع من المكتب الهندسي المصمم بما يتوافق مع أنظمة واشتراطات البناء للأرض.
وقال لـ»مكة»: يتضمن دور الأمانة أيضا التأكد من وجود عقد إشراف على المبنى من قبل مكتب هندسي قبل إصدار رخصة البناء، غير أنه إذا ما كان هناك خلل في مهام أي طرف من الأطراف المعنية، المقاول والمشرف والمصمم، فإن هناك مرجعا لكل منهم غير الأمانة بحكم الاختصاصات وله حق محاسبتهم.
ولفت إلى أن الأمانة تقوم تبعا لذلك باتخاذ إجراءاتها النظامية التي تصل إلى شطب المكتب الهندسي المشرف أو المصمم أو كليهما من قائمة المكاتب الهندسية المعتمدة لديها.


صيانة جزئية

وبين البقمي أن الأمانة ملتزمة بتنفيذ خططها في خدمة مخطط الحرمين من ناحية أعمال الصيانة ونظافة الشوارع وغيرها، وأضاف: تم فعليا خلال الأيام الماضية تنفيذ مشروع صيانة وسفلتة بعض الشوارع الداخلية للمخطط في الأجزاء التي انتهت فيها مشروعات تخفيض منسوب المياه الجوفية من قبل شركة المياه الوطنية.


التحول للعشوائية

وأشار إلى وجود سعي حقيقي لمنع العشوائيات في مخطط الحرمين وغيره من الأحياء، عبر رصد المخالفات التي قد تسبب ظهورها عن طريق الرقابة الميدانية من قبل مراقبي البلديات الفرعية.
وتابع: ما يتعلق بانتشار المنشآت والمرافق فإنها جميعا تخضع للاشتراطات والأنظمة البلدية سواء من حيث منحها التصاريح أو حتى المواصفات الفنية اللازمة لها كتوفير المواقف وغير ذلك، وفي حال رصد أي مخالفات بلدية يتم اتخاذ الإجراءات النظامية بحق المخالف.