أعداد الشباب والفتيات الباحثين عن عمل تتزايد سنويا بعشرات الآلاف، فالجامعات والمعاهد تخرجهم، ثم يبدؤون مشاوير البحث عن الوظيفة الحلم، وبعضهم يجد، والبعض الآخر ينضم إلى صفوف البطالة التي تطول عاما بعد آخر، والبعض يقبل بوظيفة رمزية متواضعة الدخل، والمشكلة كما اتضح خلال السنوات الماضية، ليست في ندرة الوظائف، ولكن بصورة أكبر وأخطر في ضعف التأهيل، ويدل على هذا أن هناك مئات آلاف الوظائف يشغلها غير سعوديين في القطاع الخاص وهي مما يمكن أن يقبل به السعوديون من الجنسين، لكن ضعف التأهيل يحول بينهم وبينها، أقول هذا بناء على أن في بلادنا نحو ثمانية ملايين وافد، فإذا افترضنا أن غالبيتهم في أعمال لا يقبلها السعوديون، ألا يوجد بين هذا العدد المليوني الهائل، مليون وافد يعملون في وظائف متميزة، ويطمح لها السعوديون والسعوديات، إنني أتصور أن لدينا أكثر من هذا الرقم من الوظائف، لكنها وظائف نوعية تتطلب تأهيلا جيدا، وهو ما يفتقده الكثير من أبنائنا وبناتنا، والسبب في هذا بطبيعة الحال هو مستوى التعليم الضعيف، لكن ليس من الحكمة أن نظل نردد المشكلة ثم لا نشرع فورا في إيجاد حل سريع، فإصلاح التعليم ضروري، لكنه مشروع يتطلب سنين طويلة، وربما عقودا، بينما تدفق الباحثين عن العمل من هذه النوعيات ضعيفة التأهيل يزداد بغزارة ويتراكم.
هناك حلول جزئية حيث استجابت بعض الشركات وبدأت تدرب وتؤهل، لكن الأعداد أقل من أن تذكر، ووزارة العمل تبذل جهدا في هذا الصدد، منها ما تتجه إليه الوزارة من السماح للشركات، بالتعاقد مع مراكز تدريب عالمية لإعداد حقائب تدريبية واستقدام مدربين لتأهيل العاملين لديها داخليا، هذه الخطوة جيدة، وهي مع حزمة الأنظمة التي سنتها الوزارة لإصلاح سوق العمل وتوطين الوظائف، ستفرض على الشركات -خاصة الكبرى- وتحفزها، على استقطاب السعوديين من الجنسين وتأهيلهم مجددا، وتدريبهم على طبيعة الأعمال التي تحتاجها هذه الشركات، ولكن هل هذا يكفي؟
الواضح أنه لا يكفي في ظل التدفق السنوي للخريجين والخريجات، ولهذا، أعتقد أن على وزارة العمل، وقد شخصت المشكلة، وعرفت حجمها وخطورتها، أن تتبنى فكرة التدريب والتأهيل العالمية هذه، بصورة أكبر وأشمل تتضافر مع المنتظر من جهد الشركات الوطنية، وأعتقد أن الوزارة تستطيع عن طريق الحكومة، أو بالتعاون مع القطاع الخاص، وبصورة سريعة، أن تنشئ معاهد تدريب كبرى، وذات مستوى رفيع، ينضم لها كل خريج جديد ليتدرب لمدة عام أو عامين، قبل أن يبدأ مهمة البحث عن وظيفة.
قد يكون هناك فكرة أفضل، لكن المهم أن يتأهل ويتدرب شبابنا ليلتحقوا بقطار العمل النوعي والمتميز، ولتكن مهمة التدريب والتأهيل هذه من أجل هذه الأعداد التي تتزايد سنويا، وفرص العمل أمامها، لكنها لا تستطيع ممارستها، ومع التفاؤل بصلاح التعليم وتطوره، تتكامل هذه الجهود فلا تمر عشر سنوات أو نحوها، إلا وقد قضينا على ضعف التأهيل هذا.