إن تطورات قضية السريحي المتمثلة بردود فعل جامعة أم القرى تكشف أن الجامعة لم يكن لديها تخطيط منهجي ولا رؤى علمية واضحة تسير على هديها، وهنا تلح عدة أسئلة: إذا كانت جامعة أم القرى لها توجه معين في التدريس، فلماذا لم تحصر رسالتها وأهدافها في حدود هذا الخط؟لماذا تستقطب أساتذة ذوي توجهات حداثية وهي تحارب الحداثة؟ لماذا يضطر القائمون عليها إلى اللجوء للازدواجية في تقييم الطلاب؟لماذا يضطر الأعضاء المشرفون على رسائل الطلاب العلمية إلى كتابة تقارير سرية واتخاذ قرارات مصيرية ظالمة في حق مستقبلهم العلمي لأنها لم توافق أهواءهم؟مصطفى عبدالواحد المشرف على رسالة السريحي وصاحب التقارير السرية التي تسببت في حجب شهادة الدكتوراه عن سعيد السريحي، كان يرى أن لطفي عبدالبديع أستاذ النقد في كلية اللغة العربية آنذاك صاحب اتجاه مخالف في نظر الجامعة، ورغم ذلك يمكث سنوات طويلة في التدريس في الجامعة ويتأثر الطلاب بفكره، وعندما تكتشف الجامعة أن الأستاذ الجامعي يقوم بإغواء الطلاب يتم طرده وإبعاده من الجامعة حتى لا يتأثر الطلاب بأفكاره ومنهجه!هي إذن تستقطب أساتذة لا تعرف مرجعياتهم ولم تقرأ لهم ولا تعرف حجم آفاقهم المعرفية والعلمية، وتعاقب الطلاب على تأثرهم بأساتذتهم فيما بعد!وإذا كانت الجامعة تتحسس من مجرد مفردة التجديد إلى حد كتابة تقارير سرية عن الطلاب المستقلين بتفكيرهم مع عدم ثبوت ارتكابهم ما يخالف الدين فلماذا تدرس اللغة إذن؟وبما أنه لم يثبت ما يخالف الدين والعقيدة في أطروحة السريحي، إلا أن أسلوبه كان بعيدا عن التكرار والتقليد واجترار الأساليب القديمة في تفسير ظواهر اللغة، وهي سمة ميزت أطروحة دكتوراه السريحي «التجديد في اللغة الشعرية عند المحدثين في العصر العباسي» وتحسب للباحث لا عليه، فلماذا يكون هذا مصير الرسالة العلمية التي قدمها الباحث ولماذا كان التراجع مصير الدرجة العلمية بعد قرار منحها؟ولماذا ترفع مؤسساتنا التعليمية شعارات التشجيع على الابتكار والإبداع وأصالة الأفكار مع عدم وجود سياسات علمية تكفل الحرية الأكاديمية للطلبة والباحثين؟تلك الحرية التي تعتبر حقا طبيعيا للباحث في كل دول العالم والتي هي أهم متطلبات التنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية!لماذا لا توجد قوانين تحمي الطلاب والباحثين من التعرض لممارسات غير علمية ولا أخلاقية في شأن حقوقهم العلمية في هذه الجامعات؟والأهم لماذا لا تعمل تلك الجامعات على ضوء سياسة صريحة وخط واضح يمكّن الطالب من اتخاذ قرار الدراسة منذ البداية أو اختيار منبر أكاديمي آخر يتوافق وملكاته البحثية وأفقه المعرفي غير المؤطر بأطر تحد من الأفق المعرفي للباحث؟ فلو كان نتاج هذه العقول المفكرة المستنيرة أمثال الدكتور السريحي وعالي القرشي وعثمان الصيني هدفا مقصودا من الجامعة، وكان نتيجة لرسالة ورؤية علمية واضحة تبنتها المؤسسة العلمية منذ البدء لكان موقفها قويا في نظر المجتمع، ولكننا نكتشف الآن كمجتمع تابع القضية بأن نتاج مفكرينا من جيل الريادة الفكرية والثقافية والأدبية والذين ملؤوا الساحتين المحلية والعربية أطروحات وأبحاثا وكتبا، نكتشف أن هذا النتاج المعرفي كان عقوقا وخروجا عن الوصاية الفكرية، فهذا خلل حتما في سياسة المؤسسة التعليمية ودليل على عدم وجود خطط ورؤى واضحة تتحرك على أساسها في أداء رسالتها العلمية والمعرفية والإنسانية، هو العقوق المباح الذي أثرى المشهد والمكتبة وعقول جيل هؤلاء الرواد والأجيال اللاحقة لهم.
العقوق المباح
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
