استكمالا لمقالي السابق "حتى المرض بالحجز؟!" الخاص بالنظام الصحي الإنجليزي فقد آثرت إرجاء الجزئية التالية لضيق المساحة أولا، ولكونها نادرة الحدوث ثانيا، حيث قلما تجد نظاما صحيا يلاحق مرضاه بالعلاج، إما من خلال تذكيرهم بمواعيد مراجعتهم الدورية، أو توصيل أدويتهم الدائمة لمكان إقامتهم، أو تزويدهم بالمعدات المساندة مجانا، أو تجديد مواعيد كشفياتهم تلقائيا لو تخلفوا عنها لأي طارئ. كما ينمي لدى منسوبيه الحس الأخلاقي، باعتبار كل حالة مرضية »ملفا مفتوحا« لا يمكن إغلاقه ما لم تستوفى إجراءاته بالكامل.
الأمر الأخير والذي أجزم بأنه العمود الفقري للنظام، يتمثل في الثقافة العلاجية المترسخة لدى المرضى والمعالجين، بمعنى أن التعامل مع الأمراض الموسمية، والمراجعات الدورية، لا يستحوذ على حيز كبير من تفكيرهم أو اهتمامهم، فالقناعة لديهم أن الجسم قادر على الاستشفاء بنفسه دون تدخل علاجي، وهو ما يجعل مستشفياتهم تركز على الحالات الحقيقية.
نعود لنظامنا الصحي، فهو وإن كان يستحوذ على اهتمام القيادة السياسية، وتخصص له حصة كبيرة من الموازنة العامة للدولة، إلا أن أفضل تعليق يعبر عن حاله، هو ما أطلقته والدتي، حفظها الله، بأنه «نظام طاسته ضايعة».
والطاسة ضايعة لعدة أسباب، منها تعدد الجهات المقدمة للعلاج (وزارة الصحة، وزارة الدفاع، وزارة الحرس الوطني، وزارة الداخلية، وزارة التعليم العالي). تباين السلم الوظيفي والامتيازات لكوادر هذه الجهات. غياب وحدة العلاج. تداخل العلاج المجاني بالمدفوع. قوائم الانتظار. التأمين الصحي. نقص الكوادر الطبية والتمريضية، وضعف الكثير منها. ندرة الخبرات العالمية واستبدالها بأخرى من ماركة أبو ريالين. اقتصار وجود المراكز المتخصصة على مناطق دون أخرى.
شخصيا أستطيع أن أتساهل مع جميع هذه السلبيات وأعتبر بعضها أمرا طبيعيا في منظومة تضم آلاف العاملين تحت مظلتها، إلا في مسألتين؛ الأولى السماح للطبيب بالعمل في أكثر من جهة بذات الوقت، الأمر الذي يعطي الأولوية لصاحب الراتب الأعلى، ويترتب على ذلك العديد من التجاوزات، كأن يرفض مستشفى حكومي إجراء عملية جراحية بحجة «قوائم الانتظار»، ويقبل بها إن تحمل المريض فاتورتها من جيبه الخاص في نفس المستشفى، وبنفس الجهاز الطبي، وغرفة العمليات، والمعدات الطبية الحكومية.
أما المسألة الثانية فهي اشتراط بعض المستشفيات الحصول على «أمر علاج» قبل متابعة الحالة، وهو ما لا أستطيع فهمه أو تقبله، فكيف لمستشفيات ومراكز أنشئت لعلاج الناس، وأطباء وجدوا لتخفيف معاناتهم، لا يؤدون واجبهم إلا بـ»أمر علاج«.
المفارقة أن المريض عندما يحصل على هذا الأمر، فإن الدولة لا تبخل عليه بشيء مهما تضخمت الفاتورة أو الالتزامات التي تتبعها.
يبقى السؤال: هل هناك من يستطيع أن يفك طلاسم نظامنا الصحي أم سيتفق مع والدتي بأن »طاسته ضايعة«.

 

[email protected]

alnowaisir@