الشخصية العربية بتناقضاتها العديدة ما بين التعقيد والبساطة، أعيت الباحثين والدارسين، الذين خلصوا بعد كدٍ وجهد إلى ذهاب أغلب الصفات السالبة ويبقى العربي في نظر نفسه معتداً بها وأمام غيره غير واثق من نفسه. وانطلاقاً من هذه التناقضات وقعت على دراسة جاءت ناسفة بكل المعايير لما يعرفه العربي عن نفسه ولما يعرفه عنه الآخرون. جاءت الدراسة تحت سلسلة قضايا للنقاش في أحد أروقة المثقفين، حيث تناولوا عدة قضايا تم وضع أحكامٍ مسبقة لها مما يصعب التسليم بها أو رفضها، مثل: العنف في الشخصية العربية، غياب الضمير وفوضى السلوك، العربي مسالم وأمين، الشخصية العربية والدونية وأزمة الثقة بالنفس، وأحياناً الاعتداد التعويضي بالنفس لسدّ نقصٍ معين.
لا ينحصر مفهوم جلد الذات فقط في أولئك الذين يركزون على عيوبنا ويذرفون على حال الأمة العربية الدمع السخين، ولا في الذين يقارنون نقاط الضعف أو الفشل مع نجاحات الأمم الأخرى دون النظر إلى ظروف النشأة والتكوين وتحقيق هذا الإنجاز أو ذاك. إنّما يتعدى جلد الذات كل ذلك بالنظر إلى هذه المنغصات دون تحريك ساكن أو محاولة تغيير إلى الأفضل، بينما يعتمد نقد الذات على الإخلاص في البحث عن حل أو إكمال لنقص ما بالسعي أو حتى بالتفكير الذي يمثّل خطوة في مشوار الألف ميل.
رغم كلّ ما قيل وحُكم به علينا فنحن لا نزال على عدم علمنا بما إذا استثنى المحكمون أنفسهم من هذه الفرضية أم لا لأنهم يتحدثون عن الشخصية العربية بضمير الغائب وكأنها شخصية آتية من الفضاء الخارجي.
حاولت أن أنظر لمثل هذه الدراسات بشيء من التجرد فوجدتها في مجملها وعلى اختلاف كتابها تفتقد إلى امتلاك نواصي المعرفة والثقافة الموسوعية والقراءة المنهجية التي تستلزم الاستعانة بالأدوات كشرط أساسي لمثل هذه الدراسات النقدية.
ولكي نخضع المفهومين لأدوات البحث العلمي فإنّ النقد دائماً ما يكون مؤسساً على حقائق ويستخدم أساليب التقييم حتى يشجع الإيجابي الذي يرفع قدر الموصوف به سواء أكان فرداً أو جماعة، ويتجنب السلبي منها الذي يعيق نمو المجتمع والأفراد.
أما في الجانب الآخر فإنّ أغلب أدوات نقد الذات تستميت من أجل إثبات أزمة الثقة بالنفس لدى الشخصية العربية، في ملاحظاتها الهامشية أو متن مواضيعها. بعض ملاحظات عابرة عن السلوك السائد في أنّه ليس هناك ثقة كاملة بقدرات العربي في الإنتاج والموهبة، وأنّ عرب المهجر منغلقون اجتماعياً وغير متواصلين مع الجنسيات الأخرى بصورة طبيعية بل يميلون إلى تكوين مجتمعات خاصة بهم. كما أنّهم تظهر عليهم بوادر الموهبة والعبقرية هناك بعيداً عن أرضهم وأوطانهم. وهنا يجدر عدم إطلاق أحكام كهذه لدرجة الأخذ بها كمسلمات دون النظر إلى ظروفها الاجتماعية والثقافية والمكانية والنفسية.
وحملة جلد الذات التي يرفع لواءها من يفتقرون إلى المسؤولية العلمية والنزاهة النقدية، تعمل إن علم أصحابها أو لم يعلموا على تقزيم والحطّ من شأن الشخصية، مع غياب الشعور بالفخر والاعتزاز بالانتماء للوطن والولاء له، وكذلك تنامي مشاعر تنحو باتجاه الدونية والتحامل على النفس. كما أنّها تضاعف من الشعور بالهزيمة النفسية والإحباط بالهروب إلى أحاسيس الشعور بالفشل والعجز. وهي بالتالي لا تترك مجالاً لنقد الذات الذي يتلمس مواطن الضعف وأسباب الفشل ليقيّمها ويركلها ويأخذ بأسباب النجاح.