قضية (سحب) درجة الدكتوراه من الناقد والمثقف الهائل في ثقافتنا المحلية.. د. سعيد السريحي، لم تكن جديدة على الكثير من كافة الأطياف الأكاديمية والثقافية والاجتماعية.. بل إن بعض رواتها كان يضيف على الحكاية عناصر تشويقية، كمن سمعته - ولم أكن جاهلا بالموضوع - يقول لي منذ عشرين عاما: «إن أحد المناقشين للرسالة، قال للسريحي: لو أننا رمينا أوراق هذه الرسالة في البحر القريب، للوثته بما فيها من شرور وفساد أخلاقي»!
ولكن الذي كنت أعجب منه حينها، هو ذلك الاستسلام العجيب من جميع الأطراف، لقرار حجب شهادة دكتوراه - مشهود لها بالمنهجية العلمية والمهارة البحثية والقدرة المعرفية - سواء من (السريحي) نفسه، أو من (مشرفه.. د. باجوده)، أو من المؤسسة الجامعية العليا، أو من جيل المثقفين الحقيقيين الذين كانوا يمثلون مع السريحي سياقا متناغما..!
(السريحي) لم يكن في حاجة إلى (درجة دكتوراه) من أساتذة مؤدلجين بالوهم، يفوقهم (هو) علما وذكاء ومعرفة، ولم يكن يمثل له منحه الدرجة منهم أية قيمة علمية أو ذاتية، ولكنه (حقه) الذي كان (يجب) أن (يأخذه) بجهده وإنجازه البحثي (المتميز)..! ولكنه استلب منه في ليلة أكاديمية مفعمة بالعواطف المتطرفة الإقصائية، والشواهد الظالمة، التي اعتبرت القضية تصفية حسابات ضد تيارات أدبية وثقافية، بدأ زمنها في التجلي وإثبات الذات.
الخاسر التاريخي الحقيقي من هذه القضية هو جامعة أم القرى (برمتها)، علما بأن حكاية (السريحي) مع تلك الجامعة، ليست إلا فصلا واحدا من حكايات لأبطال برتبة باحثين وطلاب علم، استلبت حقوقهم، إما بـ(فرض) موضوعات تقليدية جامدة على رسائلهم الجامعية، أو طلب تغييرها في كل مرة يجيء فيها ذكر لأي مرجع، لا يكون من المراجع ذات الأوراق الصفراء المهترئة، أو يكون لاسم موثوق في المكون الثقافي عربيا وعالميا..
فمجرد ذكر (الغذامي) أو (البازعي) أو حتى (طه حسين) جريمة كبرى لديهم، فكيف يكون الحال عند ذكر رواد النقد الأدبي الحديث جاكبسون ورولان بارت وأقرانهم..!!
وفي حالات أخرى، كان القسم إياه (قسم اللغة العربية) في الجامعة، يستمر في رفض قبول أي طالب متقدم للدراسات العليا، لأسباب تتعلق بالعلم الشرعي، تأتي في ثنايا خطاب أسئلة المقابلة الشخصية، أو بسبب حكم إيجابي – مثلا - للكتاب الذي كان يهز أركانهم وقتها:
(الخطيئة والتكفير) لعبدالله الغذامي، (كما حدث معي أنا، بعد أن قررت خوض التجربة لمحاورة تلك العقليات بمنطقي وقناعاتي التامة، متوقعا رفضي منذ البداية.. بالتأكيد)
(بالله عليكم).. هل ثمة جامعة في الدنيا تصنع هذا العبث، وتستند في قراراتها الأكاديمية على عواطف شخصية وأحكام وجدانية (لا تقوم) على أبسط قواعد المنهج الأكاديمي في الرصانة والموضوعية والانفتاح على ثقافات العالم (التي ليست بالضرورة تكون كافرة مضلة، تهدف إلى النيل من الثقافة الإسلامية العربية، التي يدعي الأساتذة مصطفى عبدالواحد ومحمود زيني وعلي موسى وصالح بن حميد وسليمان العايد ومريسي الحارثي أنهم الأمناء على حفظها، والأوصياء على سمعتها، من أسماء مثقفة سعودية ملوثة بفيروسات الجديد من الفنون والآداب، الذي بدأت تمثله حركة الحداثة في ذلك الوقت)!
إن جامعة بتلك المعطيات الخاسرة، لم يكن من الأجدر لحالتنا الأكاديمية أو الثقافية أن يسمح لها بظلم البشر، والتحكم في اتجاهات العلم والمعرفة، ومنع أي شعاع للتنوير أن ينسل من أي مكان، حفاظا على سكون (البلادة) وقداسة الأساتذة)!..
والآن بعد أن أثيرت القضية من جديد، (يجب) أن (توضح) الجامعة (الآن) موقفها من حكاية رسالة علمية نوقشت بين ردهاتها (الساكنة)، واضطلع بمنعها أساتذة من أعضاء هيئة التدريس بها.. ربما لا يزالون في رحابها، تمتد أيديهم كل ضحى في (رحاب) الجامعة، تحاول أن تحجب (شمس) الحقيقة!!