إذا نظرنا إلى أنفسنا عبر عدسة محدبة سيبدو حجمنا أكبر من الحقيقة، وإذا استخدمنا أخرى مقعرة سنظهر كأصغر من الواقع. نحتاج إلى مرآة مستوية معتدلة لننظر فيها إلى أنفسنا، لكي نبدو كما نحن، فبشكل عام إذ لم تعرف حجمك ستنتفخ فتنفجر مع الوقت، أو ستهترئ فتختفي مع الزمن. ومعرفة حجمنا الطبيعي لن تصل بنا لشيء لأننا ببساطة لن نعرف أين نحن. في قصة الحضارة الطويلة، علينا أن نتفهم كعرب أننا لم نخترع الحضارة ولم نعلم العالم كل ما يعرف، نحن مجرد حلقة مهمة في سلسلة مستمرة من العلوم التراكمية، أصبنا وأخطأنا واجتهدنا، ولنا بالتأكيد كل الاحترام والتقدير، لكن ليس لنا كل الفضل. قصة اكتشاف «الدورة الدموية» توضح لنا ما أقصده.
أول من قدم شرحا لـ«الدورة الدموية» هم المصريون القدماء وذلك في بردية «ايبريس» بالقرن السادس عشر قبل الميلاد، وبعد عشرة قرون قدم العالم الهندى «سوشروتا» تصورات لمسار الدم بالجسم مع وصف للشرايين. وبعد قرنين من الزمن تم اكتشاف صمامات القلب على يد أطباء مدرسة أبوقراط. وأوضح الطبيب الإغريقى «هيلوفيلوس» الفروقات بين الشرايين والأوردة (وأخطأ الظن بأن النبضات من فعل الشرايين نفسها). والطبيب الإغريقى الآخر «إيراسيستيراتوس» اكتشف وجود الشعيرات الدموية. وفي القرن الثانى الميلادى قدم طبيب إغريقى ثالث هو «جالين» شروحات وافية ومدققة عن الشعيرات الدموية وعن الدم المخلوط بالهواء وعن القلب. وعام 1025م وُضع كتاب «القانون في الطب» للطبيب الفارسي «ابن سيناء» والذي قدم رؤية للدورة الدموية وطبيعة القلب ووظائف الصمامات. وعام 1242م، جاء العالم العربي الدمشقى المجتهد «ابن النفيس» ليضع شروحات للدورة الدموية الرئوية مستندا إلى كل ما سبق، وطبعا نحن ننسى كل من قبله ونظن أنه قدم للبشرية شيئا من العدم. المهم، عام 1546م، قدم الإسبانى «مايكل سيرفيتوس» شروحات أدق للدورة الدموية. وفي القرن السابع عشر جاء «ويليام هارفي» الذي قدم أحد أهم الشروحات. ثم تراكم العلم حتى وصل لعام 1956 حين فاز «فريدريك كونراد» وآخران بجائزة نوبل عن شرحهم للدورة الدموية والقلب.
العلم عملية تراكمية ومن المشرف أن العرب قد شاركوا في هذا التراكم، لكن العار هو أن ننسب لهم كل الفضل، لأن هذا يجعلنا في المقابل نحتقر الآخر ونظن أنه أقل في كل شيء، وهذا بالطبع غير صحيح. وببساطة نلاحظ أن الكثير ممن نطلق عليهم «عرب» هم في الواقع ليسوا عربا، بعضهم فرس أو أكراد أو بربر أو إسبان، وأي تتبع لأصولهم يوضح ذلك. فرغم عظمة أجدادنا لكن ارحمونا من النفخة التاريخية الكذابة، لأن هذا قد يفجرنا من الداخل قريبا!

[email protected]