كان إعلان وكيل وزارة الثقافة والإعلام الدكتور ناصر الحجيلان عن إقامة معرض للكتاب في جدة، في أوائل ديسمبر من كل عام خبرا مفرحا لأهل هذه المدينة، التي فارقها 13 عاما..كان ذلك على خلفية اللقاء السنوي لأمناء المكتبات العامة في المملكة بجدة..

ولا شك أن أمرا كهذا يبث الحياة في عروق الذين حرمهم عجزهم عن السفر إلى الرياض في مارس من كل عام، لحضور معرض الكتاب الدولي هناك.. ويتناسب مع المكون الثقافي الذي تمتلكه مدينة رواد النهضة المحلية: العواد وشحاتة والقنديل...!
ولكن العجيب المرير تأسيس حسابات في وسائل التوصل الاجتماعي، بدأت إرسال خطاباتها التحريضية ضد إقامة المعرض منذ أسبوعين تقريبا، داعية إلى مقاطعته..
وللحقيقة فإن تلك الخطابات نقرؤها ونسمعها كل عام عند قرب موعد معرض الرياض.. ولكن المشهد يزداد سوداوية وألما عندما يختص بالمدينة التي انطلقت من شرفاتها الثقافة والأدب في بلادنا..
المدينة التي كانت حاضنة البحر الزاخر بأصدافه المثقفة الواعية..!
إذا فإن ثمة خطابا قويا متسلطا تسرب إلى العقول ليعطلها حتى من (الكتاب).. ولا شك أنه خطاب الموت والغفلة قبل ثلاثين عاما بالتمام والكمال! والذي قاده الذين أفسدوا علينا الحياة، لينعموا بها الآن نجوما ورموزا، يرتدون أغلى الماركات ويختارون أرقى (الاستديوهات)!
المهم أن أحدا يمكن أن يستوعب مقاطعة منتجات بلاد، اتخذت موقفا سيئا من الإسلام والمسلمين، أو مقاطعة بعض المنتجات التجارية التي أثبت فسادها أو عدم مطابقتها للمقاييس المثالية..كما يمكن في مجتمعنا استيعاب خطاب معارض لعرض سينمائي أو موسيقي مثلا.. ولكن لا يمكن لعاقل أن يفهم كيف يفهم هؤلاء الموتورون الحياة والثقافة؟
هل يختصم إنسان (طبيعي) مع خير جليس في الزمان؟ وهل لمقاطعة الكتاب مبرر في الذهنية التقليدية أو الحداثية أو النظرية أوالتقنية..أو الإنسانية.؟!. لا يمكن أن يحدث ذلك في كل العالم قديمه وجديده..! لأنك عندما تقاطع الكتاب فكأنك تفتعل حماقة غير مبررة لمخاصمة النهر والبحر والسهوب الساحرة والأشجار السامقة.. أو لكأنك تقحم نفسك في فجيعة القطيعة مع الإنسان والكائنات والكون الرحيب، ومعاداة الحياة بأسرها!
هل ثمة إنسان يقرر قطع جسور العلاقة مع المعرفة ..مع رؤية الموجود بالغرفة المجاورة..؟!
إلا إنسان موتور، ضعيف في إيمانه ووعيه وثقافته لدرجة الإصرار المقيت على الموت والعدم!
لا تصدقوهم عندما يقولون إن البعض الضار من هذا (الكتاب) يبرر إقصاءه -مرة واحدة- إلى هذا الحد المفجع..فالمسألة في هذا المشهد لا تعدو إلا أن تكون حوارا بين أفكار وعقول، وليس للممارسة المادية من مقاطعة وتخريب وعبث مسوغ مقبول في هذا الفضاء الفكري الخالص!الحرية الحوارية مكفولة للجميع بشرط أن يكونوا (جميعا) على أتم الاستعداد للاحتفاظ بحق غيرهم في التفكير ثم التعبير..!
هؤلاء النشطاء الآن على وسائل التواصل الاجتماعي ليسوا إلا (داعشيين) خانتهم قواهم للانضمام الحركي..هم لا يمثلون أنفسهم بقدر ما يرزحون تحت وصاية خطابات الإقصاء والتطرف.. لا يمكن للإنسان (السوي) أن يزعم أنه يستطيع أن يحجب أشعة الشمس بغربال؟ألم يقرأ هؤلاء المريدون تاريخهم الإسلامي المزدهر، ليعرفوا أن العصر الذي ازدهرت فيه ثقافتنا الإسلامية العربية هو العصر العباسي، والذي كانت (بغداده) مرتعا لتلاقح الأفكار من كافة الثقافات الإسلامية واليونانية والفارسية والهندية بدون مقاطعات وتخرصات وتحزبات!حتى نهضتنا العربية في العصر الحديث كان من ضمن بواعثها الانفتاح على علوم الغرب وثقافات الآخرين!
بصراحة..بمنتهى الصراحة:إنا بلغنا بتلك الدعوات العجيبة مرحلة الخطر، التي تسلب منا كل أسباب النهوض وتحقيق خلافة الله على هذه الأرض!
يعجب المرء مديدا من ارتهاننا الذي بات أبديا لقضايا نعرف أنها من تداعيات الخطابات الإخوانية الوافدة، والتي أنتجت-فيما بعد- بما أسماه أتباعه خطاب الصحوة،ثم تسمو هذه القضايا (الكتاب.. المرأة.. الفن...) لتكون بمثابة (تابوهات) مقدسة لا ينبغي الخوض فيها أو النقاش حولها..أتتذكرون ذلك الهجوم العنيف الذي تعرض له رئيس هيئة الأمر بالمعروف بمكة المكرمة الشيخ الغامدي،عندما قال بتهافت خطاب مانعي (الاختلاط)، والذي سيكون شاهدا مثيرا تتكرر تداعياته كل عام..
حقا..فإننا نعيش زمنا يعج بالخلافات والصراعات، ولا سبيل إلى تجنب تجلياته الخطيرة إلا بنهضة ثقافية فكرية توجه عقول الناس،إلى صياغة إجابات صحيحة،عندما يطرحون على أنفسهم أسئلة صحيحة، وبمعرفة الجميع معرفة يقينة بأن أطرافا ما، هي المستفيدة من هذا الصراع الداخلي بين الحلال والحرام..بين الدين والعلم..بين أتباع قادة الفكر التنويري (إذا سلمنا بأن ثمة قادة يشتغلون بإخلاص لإشاعة هذا الفكر المنشود)، ورهط الذين يتبعون قادة خطاب التطرف والعدم..
وبأنا لن نمثل إسلامنا الخالص إلا بالاستجابة لخطاب العلم والثقافة،الذي يستند على التعدد والحوارية وقراءة النصوص الدينية قراءة صحيحة، يمكن للإنسان معها أن ينعتق من قيوده...وينطلق!