كلما عنت لي حاجة من حوائج هذه الدنيا الدنية، تذكرت الواد «أبوقارورة».. طفل أزعجني حاله وحال أبيه ومن في الصيدلية جميعا، فقد كان «السنفور الصغير» يوسع المكان ومن فيه «نطنطة» ترفع الضَغط وسكر الدم والشاهي والنسكافيه، وتذهب بوقار الصغار والكبار، وتدنيهم من جاهليتهم الأولى فيجهلون مرغمين فوق جهل الجاهلين!
وراودتني نفسي الأمارة بالسوء وخلافه أن «أمصع» أذن عفريت العلبة وأبيه ومن يتشدد له، ولنذهب بعهدها إلى «القسم»، قسم شرطة السلامة أو حتى الندامة وليكن ما يكون.
بحثت عن العفريت الصغير فلم أجد له أثرا.. تبخر وكأنه «فص ملح وذاب».. فحمدت الله الذي أذهب عنا الغمة فأمن خلفي سائر الحاضرين من الأمة!
وسألت والد «السنفور الصغير» عن ولده المبارك الذي اختفى في ظروف غامضة فقال : «متقلقش حضرتك».. وتهلل وجهه بالبشر مشيرا إلى ركن من الصيدلية خرج منه «النجل المبارك» وبيده قارورة ممتلئة عن آخرها بماء مائل إلى الصفرة.
سألته متوددا :»خلاص يا شاطر»؟ فأجاب : «أيون.. خلاص يا عمو.. يااااه، زي ما أكون تعبان وارتحت»..
قال أبوه: «سلِم على عمو.. كان بيسأل عنك ياحبيبي».. فما كان منه إلا أن ابتسم وصافحني بيده الصغيرة الدافئة المبللة!
أورد حكاية «أبوقارورة» تعقيبا على مقال الزميلة منى باخشوين، الكاتبة في صحيفة (مكة)، وحديثها عن الحال المائل لاستراحات الطرق التي تفتقد لأهم ضروريات واحتياجات العابرين. ورداءتها المحسوسة والملموسة التي لم تحرك الجهات المعنية لها ساكنا من زمن طويل.
وأما ما وقع من صديقي الصغير، فقد تعلمت منه أن لا أتخلص من قارورة مياه صحية لعل الله ينفعني بها أو ينفع السائلين الراجلين والراكبين في شوارع المدن الأصلية والفرعية، راجيا من الله الأجر وحسن الثواب!

