ما من مشروع حان قطفه أو طاب مجناه أو سن إمضاؤه إلا رأيت خلفه هذا المكي وهو يعانق نديف الغيم ويطاول عنان السماء برؤيته المتبصرة لدقائق الأمور وتفاصيلها الصرفة.
لم يكن غريبا على أهل مكة سماع قرار تمديد الأربع سنوات من خادم الحرمين الشريفين للدكتور أسامة البار، وهم يعرفون ويعون مقدرة هذه العقلية المكية الاستثنائية من تجاوز العقبات والمعضلات والمحن، نحو الآفاق الأرحب والأكثر ديناميكية في الواقع المكي الاعتيادي، وهي تشهد على امتداد تاريخها أن الرجل المخطط والمدبر الأول في مكة لا يهدأ ولا يكل ولا يعجز قبل أن تتبلور المعالم التطويرية لمدينة يرى أن خدمتها ليست واجبا فقط بل فرض عين، تمليه عليه غيرته المكية على العاصمة المقدسة لأكثر من مليار ونصف مسلم حول العالم.
ديناميكية التحرك
مهندس الإسكان، ومدير التخطيط المحوري والإشعاعي على اختلاف مستوياته الفكرية، والعقلية الأبرز في التعاطي مع الدراسات المسحية والاستقصائية، والنموذج الأكثر نفوذا وتأثيرا في مفاهيمية هندسة المدن، يعي جيدا الدور المجيد في معالجة المشكلات المعقدة من نوعها في سبيل إخراج مكة في قالبها العصري الذي تستحقه، فالبار من أشد المؤمنين بأن التطوير يعتمد على التخطيط بكل مفاصله وماهيته، جنبا إلى جنب بأنه لا توجد عبارة «مستحيل» في قاموس أمانة العاصمة المقدسة وهيئة تطويرها، وهما يمضيان بتزامن وتلاحم وتفرد، حتى لو كان الحساب من صحة الابن «البار» في سبيل أن تتصدر مكة المكرمة المشوار في الجمال والرونق.
الفكر المتقد
هناك دروس كثيرة تكتنفها شخصية الأمين البار، ودروس كثيرة في حديثه وصمته وهدوئه وأساريره، وسعته المعرفية وذكائه الحاد، ووهجه الوقاد وفكره الديناميكي الوثاب، يجيد فن الصمت كثيرا لأنه يعي لغة العمل جيدا، هدوؤه ينذر ببراكينية التفكير وسعة الأفق، وهو شخصية تمجد المعرفة وتنضح من غمارها، وتأنس بمجالسة الكتب على الرغم من محدودية الأوقات وتسارع رتم المشاريع في العاصمة المقدسة.
ويعده كثيرون مدرسة وارفة الظلال في العمق الفكري الهندسي والرجاحة الاقتصادية في اتخاذ القرارات المصيرية بفضل منطقه وبعده البصري والفكري في اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بالتطوير، مع أنه دائم الإيمان بالعيش في الظل بعيدا عن أسئلة الصحفيين ووكالات الأنباء العالمية، فهو يسلم الراية من نجاح إلى نجاح، ويعقد في نواصي المنجزات، جماليات الإبداع وعمق الكنوز الفكرية والأدبية والعلمية.
رجل المرحلة
قد يطيب للمتلقي معرفة أن الدكتور أسامة البار، رجل تعتق في دهاليز الفيزياء ومعهد خادم الحرمين الشريفين للحج والعمرة، وتفتق جماله الفكري والإبداعي وهو يشرئب على العمل الممنهج والمتقن، وهو يقود لواعج النجاح وتوشحاته التي نيطت بشرف خدمة الحاج والمعتمر، ليقود مسيرته الإبداعية، وهو يعلم أن الله أمام كل عمل يؤديه، إن لم يكن هناك بد في وضع الرجل في مكانه الصحيح، فإن الحروف تخاتل نفسها وهي تستحضر ثراء الرجل الفكري والذي اختمر عقودا وسنينا في معاقرة العقبات والصعوبات وهو يدلف بفكره وبصره ساعة بساعة يرقب عن كثب أن مكة يجب أن تكتب تاريخها بمنجزها بمكانها وأبعادها التي ترنو إليها على الدوام.
الرجل الذي لم يترك للأقلام والدراسات فرصة لتعقب نجاحاته، كان دائم الرد على كل شيء في وقته المناسب على الرغم من أن كثيرين ينزعجون من قول الحقيقة والإفصاح عنها.
كيف يرى مكة؟
حين تسأله عن حب مكة، وهو في خارجها للقاءات التطويرية المختصة بالعمل، يقول لك على الفور: لم تغادرني يوما حتى أعود إليها.
تلك العبارة يستحضر فيها كل تلافيف الحب وقسائم الشغف، وهو يرى في مكة المدينة الأم الرؤوم والحضن الدافئ التي تتدفق عطاء وتضحية، يرى الدكتور أسامة في مكة وأزقتها بصائر الهدى والنور نسيما أنه سليل المعرفة ووريث الحكمة والصدق.
إن الذخيرة الحية في كلتا يديه كانت مؤججة ومدججة بالصدق والأمانة والاعتدال وعظم المسؤولية وجسامة تحملها، إذ مارس البار جميع أنواع التلاقي مع معشوقته مكة، وهو ينافح عن قدسيتها وأهميتها وأهليتها، ولم يكن نرجسيا ذات يوم في حبها، بل عانقها بحب وإخلاص.

