الصّامت هو على الحقيقة: ذلك الكائن «الأبكم» الذي لا يقدر على شيء مِن أمره فكيف يقدر على أمر سواه؟! وهو - أي الصّامت اضطراراً/ أو اختياراً - عند التأمل ثانيةً، ابتغاء أن نبلو حقيقته؛ نجدُ أنّه لا يعدو أن يكون عبداً لمولاه - من البشر - ولئن يُسلب القيمة التي جعلت منه «إنساناً/ مكيناً» فإنّه لن يأتي بأي خيرٍ، وأينما يوجّه مولاه - من البشر- فسيظلّ كلاًّ على مَن يوجهه!
فالصمتُ حالةٌ من ذلّ أتت هذه المرة على صورة «البكم»، وهي قيدٌ أوليٌّ لشرائط التوصيف بـ»الرّق»، وهذا الأخير هو مَن سَلب «الأبكمَ» مقومات ما بسببه اكتسب «الحياة»، حيث السمع والبصر والفؤاد، ما يعني أنّ «الصمت/ البكم» صفةٌ للموتى، وما من أحدٍ - عقب تجريده - من هذه المقومات الحياتيّة، يُمكن أن يكون أهلاً لأن تناط به مسؤولية، إذ إنّ التّكليف يقع بالضرورة العقلية تحت اعتبار السمع والبصر والفؤاد. (وهي مقومات الوعي الإدراكي) وحين تحجب تلك المقومات - أو تحتجب عنوةً - يتجرّد صاحبها بالتالي من القدرة على «الاختيار» ما ينشأ عنه سؤال مفصليٌّ وهو: هل إنسان يسعه أن يحمل هذه الصفة الإنسانية فيما حق «الاختيار» يكون بيد مالكٍ له يُشبهه في كلّ شيء؟!
إلى ذلك ساغ القول: بأنّه ليس هناك من تساوٍ فيما بين مَن كانت «عبوديته» لله تعالى، وبين مَن قد صُرفت عبوديّته إلى واحدٍ من البشر، ذلك أنّ الأول كان «حُرّا» إذ ما من قيدٍ كـ»البكم» يحجبه عن القول/ والعمل باختيارٍ محض، ومن هنا أثبت من كان يتمتّع بالحريّة أنّه الأجدر على الإتيان بـ»الخير» حيثما كان امتثاله بما وجّهه الله تعالى إليه، على حين أن العبد المملوك لصنوه من البشر إذ يوجهه مالكه لا يمكن أن يأتي بخير! (الخير: اسم جامع يضمن للإنسان كرامته وحقوقه) والخيرية ها هنا مشمولة بما يتضمّنه الصراط المستقيم من معانٍ جليلةٍ قد استوعبتها النصوص الشرعية قرآنا وصحيح سنة.
ومن هنا يمكن الإجابة عن سؤال عنوان المقالة: «من يأمر بالعدل»؟ بالقراءة المتدبّرة لقوله تعالى: «وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيءٍ وهو كلٌّ على مولاه أينما يوجّهه لا يأتي بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم».
وبكلّ.. فإنّ التوحيد الخالص يبدأ أولاً من أن تتحقّق قيمة «الحرية» في حياة الناس، ولئن لم يكن التوافر على «الحرية» فإنّ الأمر حينئذ بـ»العدل» لن يتحقق، وبالتالي لن يعرفَ الناس الطريقَ الذي ينتهي بهم إلى حيثُ يكون الاهتداء إلى سبيل الصراط المستقيم على النحو الذي نقرؤه مُخزياً في كثيرٍ من دفاتر تاريخنا الإسلامي «المجيد» يوم أن ملك الإنسانُ شقيقَه الإنسان وسامه سوء العذاب.