الاعتلال الاجتماعي ما هو إلا مرض نفسي ينتشر بين العديد من أفراد مجتمعنا، يتنوع في حدته ما بين خفيف الاعتلال إلى الشديد منه. المعتلون اجتماعيا يمكن وصف سلوكياتهم بأقرب ما تكون للعداوة الاجتماعية وعدم وجود استجابة انفعالية وعاطفية تجاه أي شخص خارج حدود مصلحتهم الفردية، والأدهى من هذا وذاك التنكر لمعايير الأخلاق، بل وإنكارها على غيرهم ويرونها ضعفا إن عارضت هوى أنفسهم.
فعلى سبيل المثال: السلام على من يبغضونهم اجتماعيا في نظرهم ضعف وتقرب وليس إفشاء للسلام وصفات الكرام وابتغاء رضا المنان .. وعلى ذلك قس ولكنها (لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).
للأسف! من هؤلاء المعتلين اجتماعيا من سيقلبون ميزان أجيالنا القادمة، لأن منهم المعلمين الذين يتعهدون تربية أجيالنا، فأي أجيال نبتغي منها أملا أو نرتجي فيها عطاء وهذه النماذج هي التي تقومهم وهي العينات التي يستقون منها العلم؟ فكل إناء بما فيه ينضح.
يا أيها الرجل المعلم غَيرَه
هلا لنفسك كان ذا التعليم
ونراك تصلح بالرشاد عقولنا
أبدا وأنت من الرشاد عديم
فابدأ بنفسك فانهها عن غيها
فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
لم يدفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع إلا أن الاعتلال الاجتماعي هو سلوك خفي، نرى سلوكياته واضحة للعيان، إلا أن صاحبه لا يستطيع تقييم نفسه ولا يدرك حجم مرضه النفسي. وما أكثر هذه العينات ممن وصفهم المولى حين قال: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً* الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا). فالهوى أسوأ عدو (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم). فـ ذو العقل يشقى في النعيم بعقله* وأخو الجهالة في الشقاء ينعم.
إن جل ما يعرفه العاقل أن المشورة والتناصح وتقبل الرأي المعاكس ما هو إلا خلق عظيم لا يستطيع المعلول اجتماعيا تقبله ومجاراته. فمن أعجب برأي نفسه بطل رأيه ومن ترك الاستماع لذوي العقول مات عقله، ولكن:
لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة أعيت من يداويها.
وقد قال عيسى عليه السلام: عالجت الأبرص والأكمه فأبرأتهما، وعالجت الأحمق فأعياني. ولكن عزاءنا أن جواب الأحمق هو السكوت عنه.
إن التعامل مع صاحب الشخصية المعلولة اجتماعيا لا يمثل فقط تحديا مع نفسه ولكن مع الذين يتعاملون معه، فالموازين مقلوبة والانتقاد مرفوض ولا رأي إلا رأيه ولا صحيح إلا فعله، وبالتالي لم أبتغ من وراء كتابة هذه السطور أن أقترح علاجا لهم فالله أولى بهم، ولكنني أطلب من الله أن يعيننا على التعامل معهم.
(جهلت ولا تدري بأنك جاهل ومن لي بأن تدري بأنك لا تدري).
(فلا تمنحن الرأي من ليس أهله فلا أنت محمود ولا الرأي نافعه).
الاعتلال الاجتماعي ما بين عقدة الاضطراب وفوبيا الإصلاح
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
