طوال العقود الثلاثة الماضية كثر الحديث عن الاقتصاد السعودي كاقتصاد ريعي غير منتج يعتمد على النفط كمصدر واحد للدخل، وكيف يمكن تحريره من تأثيرات الاقتصاد الريعي؟ وتحويله إلى اقتصاد مُنتج تتنوع فيه مصادر الدخل والموارد، وتعزز فيه الفرص للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ويبقى دور الحكومة منظماً ورقابياً وداعماً.
لكن الحديث عن هذا التنوع بقي قولاً لم يترجم على أرض الواقع، وبقي دون مستوى 15% في أكثر الأرقام تفاؤلاً، ولم يستطع التخلص من سطوة الاقتصاد الريعي، وظل رهين لمتغيرات وضغوط حركة بيع النفط، واحتمالات الانخفاض والارتفاع في أسعاره، فالنفط الخام لا يزال يمثل 90% من الناتج الإجمالي المحلي، ولا تزال الدولة هي المصدر الرئيس للدخل لغالبية الأسر، ومعظم شركات القطاع الخاص تعتمد على الدعم الحكومي المباشر وغير المباشر لضمان بقائها واستمراريتها.
واستمرار الاقتصاد الريعي يعني أن الدولة الرعوية قد تواجه في المستقبل تحدياً كبيراً في تدبير نفقاتها المرتفعة، حتى وأن لجأت إلى الاحتياطيات المالية الكبيرة التي ستتآكل بفعل تراجع مستوى النفط دون المستوى الذي تم بناء الميزانية عليه، واستمرار الإنفاق الحكومي في مستوياته العالية، لا سيما أن تقرير صندوق النقد الدولي الذي نشر في سبتمبر الحالي أرسل إشارات واضحة إلى دول الخليج عموماً بما فيه السعودية إلى ضرورة تغيير سياساتها المالية، وإلا عليها أن تتهيأ للعجز المنتظر في ميزانياتها بحلول 2014، وتراجع النمو الاقتصادي في المستقبل المنظور، وفيما يخص تصدير النفط، تؤكد تقارير عالمية عدة أن السعودية ستواجه في عام 2030 صعوبات كبيرة في تصدير إنتاجها النفطي نظرا للإسراف في استهلاك الطاقة المحلية الذي يبلغ مستويات نمو مرتفعة تتراوح 6 - 8%.
والتحرر من الاقتصاد الريعي كلياً الذي فرضته خطط التنمية - لن يكون بالسهولة التي يتصورها البعض، ولا يمكن أن يحدث في المستقبل القريب دون غربلة شاملة للاقتصاد، ومراجعة أولويات الإنفاق، وفي مثل هذه الظروف لا يمكن للحكومة أن تتخلى عن دورها كمحرك للاقتصاد، وموظف للمواطنين ما لم تتوفر البدائل المناسبة، والبيئة التي تشجع رواد الأعمال الجدد، كما أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة قد تكون بديلا موازيا لكنها لا يمكن أن تحل محل النفط، وتوفر دخلا مباشر للدولة، في بلد لا يفرض ضرائب على إيرادات الشركة، كما أن توفر المال وحده لا يمكن أن يحقق شيئاً في ظل غياب الإنسان المنتج، والأفكار الرائدة التي توظف المال في مكانها الصحيح.
وبالتالي فإن ما يمكن عمله لتحويل مصدر الدخل الريعي الوحيد إلى إنتاجي ومتنوع هو بناء الإنسان المنتج، والاهتمام بالبحث العلمي، لأن بناء الإنسان يرتبط ارتباطاً وثيق بالبحث العلمي، وكلاهما استثمار منتج، واستثمار في رأس مال متنامٍ وغير ناضب، يقود إلى تقديم أفكار ورؤى جديدة، تساعد في خلق الاقتصاد المبني على المعرفة، ويتطلب ذلك:
أولاً: زيادة الإنفاق على البحث العلمي والتطوير، وتخصيص نسبة مئوية من الناتج المحلي لدعم البحث العلمي، فنسبة الإنفاق على البحث العلمي في عام 2012 لم تصل إلى1% من الناتج الإجمالي، إذ بلغت(0.9%) تسعة أعشار في المئة، ويتطلب ذلك وضع استراتيجية موحدة وشاملة للبحث والتطوير العلمي تحدد بعدا زمنيا لتحقيق أهدافها.
ثانياً: بناء شراكات استراتيجية فاعلة في مجال البحث العلمي سواء للقطاع العام أو الخاص، مع ضرورة توجيه القطاع الخاص نحو القيام ببحوث وتطوير بالنظر لأهمية نتائج البحوث العلمية في سياق تطوير المنتجات وعمليات الإنتاج بما ينعكس إيجابا على زيادة القيمة المضافة.
ثالثا: زيادة نسبة مواد العلوم والرياضيات في التعليم العام بما يساعد على تنمية مهارات التفكير والإبداع لدى الطلاب، لأن خلق الإنسان المبدع المنتج يتطلب الاهتمام به وتهيئته منذ الصغر، فالدراسات تشير إلى أن نسبة مواد العلوم والرياضيات لدينا هي الأقل في العالم، فالمواد العلمية لا تشكل سوى 24% فقط من المقررات الدراسية لطلاب المرحلة الابتدائية.
رابعاً: بناء رأسمال مادي، وتطوير البيئة التشريعية والتنظيمية، بما يمكن من توظيف الجهد البشري المنتج مع رأس المال في قطاعات اقتصادية واعدة لبناء قاعدة إنتاجية وطنية تدر دخلاً وطنياً يكفي ويحرر الاقتصاد من تأثيرات الاقتصاد الريعي.