من زملائي (المدرّسين) رجلٌ فاضل أذكره بالخير وأعترف له بكثير من العلم والتفاني والإخلاص، وأتذكّر من كلماته لمدير المدرسة أنّه كانَ دائمَ الترديد والغناء له بقوله (أحلام سعادتك أوامر) عند كلّ طلب أو توجيه أو أمر يطلبه منه أو يقتضي العمل أن يخبره به صغيراً كانَ هذا الشيء أو كبيراً يحتاج مجهوداً أو هو من قبيل الروتين اليوميّ، فلم يكن يتوانى زميلنا ذو الجنسيّة العربيّة أن يبتسم ابتسامته المريحة للأعصاب ويطلقُها في وجه المدير مدوّية أن ما يحلم به المدير أوامر بالنسبة له لا تقبل الرّفض أو التأجيل.
كنتُ أتعجّب من هذه المبالغة في المجاملة معتقداً بأنّها وعودٌ هوائية قد تنقطع بصاحبها في أي وقت فيقع في ورطة.
ورغم أنّ الجميع والمدير نفسه والقائل ذاته يعلمون علم اليقين أنّ هذه الجملة لا يتعدّى ثمنها عدد الحروف التي تتكوّن منها لكنّ الغريب في الموضوع أنّ صاحبنا كانَ يعنيها بحقّ وأنّها خُلُق هذا الرّجل وديدنه.
فأستاذُ اللغة العربيّة هذا لم تُضْنِهِ السنون الخمسون التي مرّت من عمره ولا تلك الصفحة البيضاء النّاصعة من شعر رأسه عن أن يكونَ من الذينَ يقولون ويفعلون، فلمْ يترك جانباً من جوانب العمل بالمدرسة إلا وعمل به وهو مبتسم منسجم مع نفسه وقراراته وطموحاته، ولم يفوّت فرصة من الفرص تسمح له بأن يبدو مبادراً وصاحب مبدأ في عمله إلا واغتنمها بشكل مستحق وخرافيّ، ولم ينتج إنتاجاً خلال عمله يظهر عليه عدم الإتقان أو عدم الصّحة والجودة.
كانَ ينفّذ دونَ مناقشة بل ويهرول إلى التنفيذ ربما قبل أن ينتهي سعادة المدير من إتمام أمره أو تفصيل حلمه، لا يتذمّر ولا يشتكي، يأتي في الصّباح الباكر وكأنّه كانَ نائماً في أحد المهاجع بالمدرسة، ويخرج هو الأخير وكأنّه يبكي دموعاً أنْ فارَقَ معشوقة قلبه مدرستَه، ولو تسنّى له تدريس الكيمياء أو الفيزياء وأُمِرَ بذلك لقتَلَ نفسه مذاكرةً واستذكاراً حتّى يحقّق أحلامَ المدير.
أعجَبُ أنا لمثل هؤلاء أن يُفصّلوا أفعالهم بذاتِ (المقاس) الذي تظهر به أقوالهم، والأعجب من هذا أن تكون نفوسهم راضية مطمئنّة ساكنة.
واليوم لسان حال أغلب المرؤوسين لمديريهم: (أوامر سعادتك أحلام).