للاصطلاح الإقليمي في الأدب أصل قديم، ونحن قرأنا في كتب الأدب قول جرير في شعر عمر بن أبي ربيعة: “هذا شعر حجازي لو أنجد في تموز لوجد البرد”! ويهمنا، هنا، عبارة “شعر حجازي”، فهي، على ما فيها من إزراء بشعر عمر، تومئ بخصائص أحسّها جرير في شعر ذلك القرشي الحجازي، لعل أهمها “اللين” و”الطرافة”، يقابل ذلك خصائص مفترضة للشعر النجدي الذي يمثّله جرير، على أننا بالإمكان عزو جرير إلى الشام لا إلى نجد، فهو شاعر من ساكنة المدن، ولكنه يعتزي من حيث الأصول إلى نجد.
وفي مصنفات النقد عند العرب كان ثمة إحساس بالبيئة والإقليم، نظهر على شيء من ذلك في طبقات الشعراء لابن سلام، والوساطة بين المتنبي وخصومه للقاضي الجرجاني، وفي يتيمة الدهر للثعالبي، وعند هذا الأخير تقسيم للشعراء على الأقاليم والبيئات، ومن البين أن النقاد القدامى ارتضوا طريقة الثعالبي في التقسيم البيئي، فألفوا كتبا على نهج اليتيمة، ومنذ الصفحات الأولى لكتاب الباخرزي “دمية العصر”، وهو يأتم باليتيمة، يقابلنا المؤلف بعبارات نستبين فيها خصائص وسمات للشعر في البيئات المختلفة، ومن بينها بيئة البادية الحجازية، وألفى الباخرزي في شعرها مزايا تحتفظ بأصول بدوية تميزها من شعر الأمصار الأخرى. إذن الخصائص لا تخفى على الدارس بين إقليم وإقليم، ولكنه “تنوُّع” في “الوحدة”، ظل يربط الأدب العربي، مهما اختلفت أقطاره، بروابط واحدة، وسمات، هي جزء من الطبيعة الفنية للأدب العربي.
ومنذ بدأ الأدب الحديث في المملكة قرأنا عنوانات واضحة عن “أدب الحجاز”، و”أدب نجد”، و”أدب عسير”، و”أدب الأحساء”، و”أدب جازان”، وربما عجب بعض الدارسين من هذه التسميات، وربما بالغ ورأى في ذلك غمزا في الوطنية، فكيف يكون اسم البلاد “المملكة العربية السعودية”، ونحن نتحدث عن أدب إقليم بعينه؟ والحق أن المسألة تتصل اتصالا وثيقا بطبيعة الثقافة العربية، وهي ثقافة مهما تنوعت أقطارها، لديها ما يجمعها ويشدها إلى بعض، ثم إن دارسي الآداب الإقليمية ترسموا خطى النظريات العلمية في القرن التاسع عشر، وبخاصة نظرية هيبولت تين التي جعلت الأدب نتاجا لطبيعة البيئة والإقليم.