تطالعنا وسائل الإعلام بمواد إخبارية متجددة حول مشكلات مالية تكاد تكون يومية، تشمل على سبيل المثال، تضخما غير معقول في تكاليف المشاريع واختلاسات للممتلكات العامة. أما بالنسبة للقطاع الخاص، فلعل أبرز المشكلات المالية تظهر في شكل تذبذب عالٍ ومستمر في أسعار الأسهم، ووجود فوارق كبيرة بين قيمها السوقية وقيمها الدفترية. أيضا، قد لا تحظى الأرقام الواردة بالقوائم المالية للشركات المساهمة بثقة المتعاملين بالسوق.
هناك غياب ملحوظ للدور المهم الذي يمكن أن تلعبه المحاسبة في معالجة الكثير من المشكلات المالية. ولكن يبدو أن المحاسبة بالمملكة لا تزال الكنز المفقود. هناك ضعف ملحوظ في مخرجات التعليم في تخصصات المحاسبة وهناك ندرة في أعداد المبتعثين لهذا المجال وندرة في أعداد الخبراء والعاملين بالمهنة. أيضا، لا توجد أقلام محاسبية فاعلة للمطالبة بتفعيل أدوار المحاسبة.
ما هي المحاسبة وما أدوارها؟ المحاسبة هي نظام معلوماتي يهدف إلى قياس الوضع المالي والأداء للمنشآت والتقرير عنهم بصفة دورية. تلعب المعلومة المحاسبية “المنتج الرئيس من ذلك النظام” دورين رئيسيين: الدور الأول هو دور رقابي والآخر هو دور تنبؤي. بالنسبة للدور الرقابي، توفر المحاسبة تقارير مالية دورية معدة بناء على أسس وقواعد محاسبية معتمدة وموحدة لتمكين عقد المقارنات وتيسير المتابعة المستمرة ولتعزيز المصداقية. يمكن مراجعة دقة تلك التقارير من قبل جهة خارجية مستقلة.
جميع الشركات المسجلة بسوق الأسهم ملزمة بقياس وعرض تقارير مالية دورية لنتائج أنشطتها السنوية “الأرباح والخسائر”، وقيم الممتلكات ومقدار الديون وحال رأس المال. من بين أهم المستفيدين من تلك المعلومات المساهمون، فهم لا يملكون أي وسيلة أخرى لمتابعة ورقابة فاعلية الإدارة التنفيذية في تشغيل رؤوس أموالهم وتحقيق الأرباح، نتيجة الفصل القائم بين الملكية والإدارة تحت نظام شركات المساهمة. أما بالنسبة للوحدات الحكومية، فقد لا تتمتع بالاستقلالية. بالتالي سيظل هناك انعدام للشفافية وثغرات متعددة للفساد المالي الذي لن يمكن تتبع أثره واكتشافه في ظل ضعف نظام المحاسبة.
أما بالنسبة للدور التنبؤي، فالأرقام المحاسبية تعكس القيم المستقبلية المتوقعة للممتلكات. يقوم المحاسب بتصنيف أي نفقة إلى واحدة من اثنين: إما مصروف محمل على ربح السنة الحالية، ليخصم منه فورا، حيث لا يتوقع أن تتحقق أي عوائد مستقبلية منه. أو مصروف محمل على أرباح السنوات المقبلة، لتخصم منها بدلا من ربح السنة الحالية، وبالتالي يصنف كأصل، لوجود توقعات بعوائد مستقبلية مرتبطه بها. المصروف الذي يتم تصنيفه كأصل حسب معايير المحاسبة يرسل إشارة إيجابية للسوق بأن هناك فاعلية وبُعد تخطيط لدى الإدارة التنفيذية، حيث تستخدم رؤوس الأموال في أنشطة متوقع أن تحقق نموا على المدى البعيد. ولكن، عملية التصنيف تلك ليست سهلة، فالعوامل الاقتصادية التي تحيط بالتعاملات المالية متغيرة ومتشابكة ما يصعب الخروج بتنبؤات دقيقة بمقدار العوائد المستقبلية، فضلا عن وجود حوافز للتضليل والتلاعب من قبل الإدارة، كون الأرباح مقياسا لفاعليتها.
مما سبق، يمكن للمحاسبة أن تلعب أدوارا مهمة في عدد من المجالات، لكن وضعها الراهن لا يبشر، وفي حاجة لمجددين.
المحاسبة.. الكنز المفقود
حنان المرحبي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
