تخيل وأنت تدخل من الباب الرئيس لمقر عملك لوحة ترحيبية “أهلا بمديرنا العزيز وقدومه الميمون” ثم تجد اللوحات تنتشر في الدور الأول “زيارتكم يا سعادة المدير فجر مشرق لدورنا الأول”، “قسم السجلات الإدارية توهج بنوركم الوضاء يا سعادة المدير”، وفي الدور الثاني حيث القسم الذي تعمل فيه “مرحبا تراحيب المطر يا مديرنا المحبوب، نوّرت القسم، زارتنا البركة”، فما شعورك حيال سعادة المدير الذي عُلقت اللوحات ترحيبا به في المكان الذي يديره؟ هل ستشعر بأن زياراته كثيرة؟ أم ستدرك أنه كالضيف لا يأتي إلا نادرا؟
لعل هذا لا يحدث مطلقا في أي منشأة حكومية أو خاصة؛ لأنه منافٍ للحكمة ولن يقبل به المدير ولا الموظفون، لكن الواقع المؤسف أنه يحدث في نطاقات أكبر، ومسؤوليات أعلى وأعمق، ونحن نرى الصور واللوحات الترحيبية تُعلق في مداخل وميادين المحافظات والمراكز ترحيبا بأمير المنطقة أو المحافظ، وكأنه ليس المسؤول الذي تنتظره هذه المحافظة أو المركز في أوقات كثيرة لمتابعة مصالح المواطنين التي اؤتمن عليها.
ولو افترضنا أن الزيارة المعلنة لها أهدافها وبروتوكولاتها الخاصة، فلن نستطيع كبح جماح الشعور بندرة الزيارات، ومحاولة المسؤولين والأهالي جذب هذا الزائر النادر، ولفت انتباهه إلى مطالبهم ومصالحهم وأحوالهم، ولن نستطيع ـ أيضا ـ إقناع أنفسنا بأن هذا المسؤول يقوم بزيارات سرية ومفاجئة لهذه المناطق؛ لأن الوقائع المعلنة والتراخي في الكثير من القطاعات لا ينم عن جولات من هذا النوع، يحسب لها المقصرون ألف حساب.
لم تبرأ جراح “لمى الروقي” في صدورنا، ولم تتبدد أصواتنا التي تطالب بردم حفر الموت وهي في منطقة خالية، حتى انفتحت بالوعة شارع التحلية، في أرقى أحياء جدة، لتبتلع المواطن علي منشو وابنه ـ رحمهما الله ـ وتوالت الصور تباعا عن عشرات البالوعات المفتوحة التي تنتظر أرواحا تختطفها ليلتفت إليها المسؤولون ويغلقوها بقطعة حديد أصلية. أنا هنا لا أعزو السبب لجهة بعينها، بل أنادي بالتجرد وتوجيه اللوم إلى كبار المسؤولين المحجمين عن العمل الميداني، المكتفين بالجلوس في مكاتبهم، وإدارة الأعمال من خلال التقارير الورقية فقط، ولم يخلعوا (بشوتهم) ويدوروا في شوارع المحافظات والمراكز سرا وعلانية؛ لاكتشاف الهنات وما يعانيه المواطن من ويلات وعذابات الأخطار المحدقة به التي تنتظر يقظة مسؤول أمين، فليس من المنطقي أن تنهار فتحة بالوعة الصرف الصحي تحت أقدام طفل! بل يدل انهيارها على ضعف الرقابة وقلة الصيانة، وروتين العمل الورقي الزائف، وفساد الذمم الذي صنع وحشا يحصد أرواح الأبرياء.
لست وحدي السائر في طرقات وشوارع الوطن، بل كلنا دون استثناء نرى المناطق التي تقع على طريق المسؤول، أو بالقرب من مكتبه أو منزله، أو طرقه المعتادة، وكيف تحظى بالعناية الفائقة نظافةً وتشجيرا ورصفا وسفلتة وإنارة، فالطرق والمرافق التي يمر بها الأمير أو المحافظ أو الأمين مختلفة ومميزة عن بقية الأحياء، وهذا من أعمق الأدلة على معرفة روتين المسؤول، وشدة تعلقه بمكتبه، حتى صار الإهمال والتقصير ديدن الكثيرين، من الذين لا يعملون لوجه الله، ولا لوجه الوطن، وإنما لوجه المسؤول.
إذا استشعر المسؤول عظم الأمانة الملقاة على عاتقه، وأن خدمته للوطن في المنصب الذي يشغله تكليف لا تشريف، وخلع أفكار البهرجة التي يولع بها حد العشق بعض المسؤولين، وعوّد نفسه على السير دون بشت وحشد آلي وبشري؛ فستختلف الحال لا ريب، وسيُحل الكثير من القضايا، وتدور عجلة التنمية كما يجب، فوطننا الكبير مساحة وقدرا، وإنسانه الكريم، يستحقان مضاعفة الجهد، والمتابعة ومكافأة المبدعين، ومحاسبة المقصرين، وتفعيل الحس الوقائي قبل وقوع الكوارث، فالوقائع تؤكد أن جل الحوادث ليست من جغرافية الأرض ولا مناخها، بل سببها الرئيس أخطاء المشاريع وقلة المتابعة، وضعف الرقابة، وفساد الذمم.