تأتي زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان الحالية إلى طهران، بعد مضي عامين على آخر زيارة قام بها إلى العاصمة الإيرانية في عهد حكومة أحمدي نجاد والتي كان جدول أعمالها مختلفا عن هذه الزيارة بسبب التطورات الكثيرة التي دخلت على مسار العلاقات بين البلدين وعلى أجواء المنطقة
والمؤكد أن ملفات النقاش ومهمة القيادات في البلدين ستكون معقدة بالمقارنة مع جدول أعمال آخر زيارة، حيث كانت العلاقات الثنائية تعيش فترة ازدهار وبلغ حجم التبادل التجاري 15 مليار دولار، وكانت أنقرة تقدم خدمات الوساطة بين طهران والغرب في الملف النووي الذي لم يعد يحتاج إلى جهودها كون الحوار المباشر بين الجانبين يتقدم ويحقق إنجازات ميدانية أهمها تحطيم الحاجز النفسي في الحوار
كما تأتي في ظروف داخلية صعبة بالنسبة للأتراك كونها تجري في أعقاب انفجار أزمة 17 يناير والحرب المشتعلة بين حزب العدالة والتنمية وجماعة فتح الله غولان التي قادت إلى ارتدادات سياسية وتجارية ومالية بلغت قيمتها حتى اليوم 120 مليار دولار من الخسائر كما تقول قيادات سياسية تركية رسمية، ويجمع كثير من المراقبين أن مهمة إردوغان ستكون صعبة خلال نقاش الجانب الإيراني في هذه الأزمة، حيث جرى الحديث عن تورط رجال أعمال إيرانيين في الأزمة واعتقال أحدهم يدعى رضا صراف بتهمة الفساد والرشاوى والتجارة غير المشروعة التي قيل إنها تتعارض مع تدابير الحصار الاقتصادي والمالي الدولي المفروض على إيران
وربما مركز الثقل الأول في ملفات هذه الزيارة هو الاستماع إلى الموقف الإيراني الرسمي من الأزمة التي تتهم حكومة العدالة والتنمية جماعة فتح الله غولان بالوقوف خلفها بالتنسيق مع جهات خارجية بسبب تدهور العلاقات بين الحليفين القديمين لجهة تمسك الحكومة بإطلاق قانون تعديل جذري في عمل بعض المؤسسات التعليمية التي تغذي قوة الجماعة البشرية والمالية، فالجسر المالي الذي يربط بين أنقرة وطهران «البنك الأهلي» التركي تعرض لضربة موجعة بسبب توقيف المدير العام للبنك بتهمة الثراء غير المشروع والإفراج عنه لاحقا، وتتهم الحكومة التركية جماعة غولان دون أن تسميها باستهداف الصعود الاقتصادي والتقارب التركي الإيراني الذي أسهم في رفع أرقام التبادل التجاري بينهما إلى أعلى مستوياته وجعل من إيران الشريك الاقتصادي الأول في المنطقة
وستخصص القيادات التركية والإيرانية جانبا كبيرا من الحوار للموضوع السوري ومباحثات جنيف 2 والنتائج المحتملة لهذا الاجتماع خصوصا وأن مواقف البلدين متباعدة ومتضاربة في الموضوع السوري خصوصا لناحية وجود قوات حزب الله في سورية ومشاركتها ميدانيا في القتال إلى جانب النظام وهو ما تصفه تركيا بتعقيد أكبر لملف المشكلة السورية، هذا ورغم النداءات المشتركة من قبل البلدين لوقف فوري لإطلاق النار وإفساح الطريق أمام المساعدات الإنسانية والحوار السياسي فإن المواجهة الكلامية الأخيرة بين وزير خارجية تركيا أحمد داود أوغلو ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف على هامش قمة أعمال دافوس حول مخاطر الاقتتال الطائفي والمذهبي في سورية ستكون بين قضايا النقاش ومخاطر هذا السلاح الذي يريد النظام أن يلعبه جنبا إلى جنب مع موضوع الإرهاب الدولي ضد سورية وضرورة مساعدتها على التصدي لهذه المؤامرة التي سعى الوزير وليد المعلم لرسمها في مونترو، رغم أنها لم تلق أية أذان صاغية أو قبول هناك
ملفات كثيرة أخرى ستأخذ مكانها على طاولة الحوار وبينها المسألة الكردية ببعدها الإقليمي الذي يقلق الطرفين خصوصا أمام المستجدات الأخيرة في شمال سورية وإعلان الأقليات الكردية هناك دستورا مستقلا وإدارة ذاتية تشرف على شؤون المنطقة، هذا إلى جانب مصير نشر صواريخ الباتريوت الأطلسية على حدود التركية الإيرانية بطلب من أنقرة وهو ما عدته طهران تهديدا مباشرا لأمنها رغم الإيضاحات التركية المتعددة حول أن نشر هذه الأسلحة يندرج في إطار خطة دفاعية مشتركة للرد على أية تهديدات أو تحرشات قد يقوم بها النظام السوري ضد تركيا