أمام المركز التجاري ينهمك الطالب أحمد يوسف في تنظيم «قدر البليلة»، ويعيد رص السلة التي تحمل تشكيلة الخل والبهارات، وقد تمركز في ركن بعيد عن حركة مرور المركبات، وقريبا من ممر المشاة، متهيئا ببسمة مرسومة على وجهه جذبا للزبائن.
وفيما يستقطب زبائنه بعين أمل، يرقب فرق البلدية بعين وجل، فحضور الفرق يعني ضياع القدر بمحتوياته، ومصادرة عربته ليبدأ من جديد باحثا عن رأسمال وأدوات يعيد بها خسائره التي التهمتها مداهمة البلدية.
وأحمد هو واحد من مجموعة من طلاب المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية، مواطنين ومقيمين، بمحافظة بلجرشي بمنطقة الباحة، يستثمرون أوقات فراغهم بعد الدوام المدرسي ببيع البليلة، عوضا عن التسكع، ليتعلموا الاعتماد على النفس وتوفير مصروفاتهم الدراسية والشخصية من خلال أرباح متواضعة لا تتعدى 30 ريالا في اليوم كعائدات من بيع «البليلة».
داخل أحد بوفيهات محافظة بلجرشي كان ثلاثة شباب يافعين ينتظرون تجهيز طلبهم، ساندوتشات وعصير، وكانوا يتحدثون بصوت مسموع، ويشتكون من حرمانهم من بيع «بليلتهم»، الأمر الذي اضطرهم لسد فراغهم بلعب الكوتشينة على طاولة البوفيه.
قال أحدهم، وهو عبدالسلام الغامدي: ألم يكن من الأفضل أن تتركنا البلدية نعمل وننتج لنفيد أنفسنا وأهالينا بدلا مما نحن فيه الآن؟ عاد أحمد يوسف بالقول «كثير منا يساعد أسرته على متطلبات الحياة، وكنا نسعد بممارسة عمل شريف، ونكسب وقتنا فيما يفيدنا، لكننا فوجئنا بحضور مندوب البلدية المراقب ليمنعنا من البيع، بل يحذرنا بالعقاب إن عدنا إلى هذا العمل، وهذا أخافنا من العودة لبيع البليلة.
واستغرب زميله تصدي البلدية لتجارتهم الصغيرة، وزاد «نحاول الاستفادة من أوقاتنا بما يفيد بعيدا عن التسكع، وعندما تنفد البليلة نذهب مرهقين إلى منازلنا ونخلد للنوم»، متسائلا «لماذا تمنعنا البلدية؟ هل يريدون منا تصريحا ورخصة لقدر صغير نحمله فيه كيلو بليلة وقارورة خل صغيرة؟»، مناشدا جهات الاختصاص بصرف المراقبين عنهم، لأنهم يطلبون العمل وليسوا متسولين.
من جهته، أشار الشاب عبدالله صالح إلى أنهم كانوا يتوقعون تشجيعا من البلدية، كونهم شبابا مكافحين، يحاولون مساعدة أنفسهم من أجل لقمة عيش كريم، بدلا من التسكع في الشوارع أو لعب الكوتشينة، مبينا أن الشباب السعودي من الطلاب الصغار وأصدقاء الدراسة وزملائهم من المقيمين يمارسون بيع البليلة ليصرفوا على أنفسهم، وهناك من يساعد أسرته.
في المقابل، أوضح رئيس بلدية بلجرشي المهندس سعيد الغامدي أنه لا علم له بهذا الأمر، ولا يعلم من منعهم، ووعد ببحث الموضوع، وقال «على العكس، نحن نشجع الشباب الطموحين، ونشد على أياديهم هم وكل من يكافح ويعمل عملا شريفا»، واستدرك «تعرفون طبعا النظام فيما يخص بيع أي طعام، بأنه لا بد من تصريح وكشوفات طبية للبائعين، تثبت سلامتهم من الأمراض والفيروسات لسلامة المستهلك، وهذا طبعا خاص بالبوفيهات والمطاعم وكل نقاط بيع الأطعمة، ولكن بيع الصغار للبليلة لا نرى فيه بأسا، طالما أنهم يلتزمون بالنظافة ولم يشتك أو يتضرر منهم أحد».