علاقة الأكراد بالقوى والأحزاب الشيعية العراقية كانت قوية وحميمية وخاصة في عقد السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، والتي تحولت فيما بعد إلى حلف استراتيجي وعمل سياسي وعسكري مشترك استمر إلى ما بعد سقوط النظام العراقي السابق تحت وطأة القوات الأمريكية.

ووصلت علاقة الطرفين إلى أوجها عندما ساعد الحزبان الكرديان الرئيسيان في إقليم كردستان (الحزب الديمقراطي الكردستاني) بزعامة مسعود بارزاني، و(الاتحاد الوطني الكردستاني) بزعامة جلال طالباني، الأحزاب الشيعية على تولي الحكم وبسط سيطرتها على العراق بصورة شبه مطلقة، وكانت للثقة الزائدة التي أولاها الكرد لتلك الأحزاب الشيعية ظنا منهم -خطأ- أنها ستبادلهم جميلهم بجميل مماثل وتساعدهم على تطبيق المادة الدستورية 140 المتعلقة بالأراضي المتنازع عليها التي طالما حاول الكرد تحقيقها عبر المقاومة المسلحة لاسترجاع الأراضي التي استولت عليها الحكومات العراقية المتعاقبة عن طريق عمليات التعريب والتبعيث والتهجير، ولكن دون جدوى، الأمر الذي مكن الشيعة بمساعدة مباشرة من قبل إيران من تكريس حكمهم وترسيخ نفوذهم بصورة لم يسبق لها مثيل في التاريخ القديم والحديث، وفرض أمر واقع جديد على المنطقة وعلى الولايات المتحدة أيضا.
وإضافة إلى هذا العامل كان هناك عامل آخر مهم في تثبيت سلطة الشيعة، وهو ابتعاد القوى والأحزاب السنية عن الساحة السياسية العراقية وعدم مشاركتها في انتخابات عام 2005، ولجوئهم إلى المقاومة المسلحة ضد القوات الأمريكية وعدم إدراكهم للمعادلة السياسية الجديدة في العراق والمنطقة والتي تستمر لسنوات طويلة، الأمر الذي أدى إلى تعبيد الطريق أمام القوى الشيعية للوصول إلى السلطة.
لا شك أن لهذين الخطأين القاتلين دورا كبيرا في سيطرة الشيعة على مؤسسات الدولة الجديدة، ولكن ثمة أسباب أخرى مهمة في ارتماء العراق في الحضن الإيراني، ومن أهمها، عدم التقاء طرفي السنة في العراق “الكرد والعرب”على نقاط مشتركة وهي كثيرة لمواجهة الأطماع الإيرانية والشيعية في العراق والمنطقة وانشغالهما بالصراعات والتناحرات القومية العنصرية بينهما وترك الساحة للشيعة وإيران التي توسع نفوذها في العراق لدرجة أن نفوذها أجبر واشنطن على الانصياع لقرارات طهران، بحسب القائد العام للحرس الثوري العميد “حسين سلامي”.
والسبب المهم الآخر الذي لا يمكن أن نغفل عنه هو ضعف دور دول الخليج في العراق بشكل عام ودور المملكة العربية السعودية بشكل خاص باعتبارها رائدة العالم الإسلامي “السني”، قدمت للإسلام والمسلمين خدمات جليلة ومساعدات كبيرة في سبيل تحقيق التضامن الإسلامي، وكانت لها اليد الطولى في مساندة الشعوب الإسلامية: أفغانستان والبوسنة وفلسطين ومصر وغيرها من البلدان الإسلامية، ولكن علاقاتها بالمكون السني في العراق بعد التغيير الذي طرأ عليه عام 2003 وبوجه الخصوص بالمكون الكردي لم تكن بالمستوى المطلوب، مع أن معظم الأكراد في إقليم كردستان ينظرون إلى المملكة نظرة إجلال لا يمكن مقارنتها بأي دولة أخرى.
وكانت فرصة كبيرة للسعودية لإيجاد موطئ قدم راسخة لها في “أربيل” العاصمة عبر فتح قنوات دبلوماسية ومراكز ثقافية وتطوير علاقاتها التجارية معها، فمن غير المعقول أن يصل حجم التبادل التجاري بين تركيا والإقليم إلى أكثر من 10 مليارات دولار، وتملأ البضائع الإيرانية أسواق كردستان، بينما تخلو الساحة الكردية من أي نشاط خليجي تجاري أو استثماري يذكر. ناهيك عن وجود قنصلية فاعلة ونشطة للدولتين “تركيا وإيران” في أربيل، في حين لا توجد أي قنصلية أو قناة دبلوماسية أو مكاتب علاقات لأي دولة من دول الخليج في أربيل، ولم نر أي تحرك سياسي خليجي لدعم ومساندة الإقليم في مواجهة هجمة تنظيم “داعش” مؤخرا، في حين سارعت إيران إلى مساعدة قوات البيشمركة، وقد قال رئيس الإقليم “مسعود بارزاني”إن إيران مدت أربيل بالسلاح لقتال تنظيم داعش.. وهذا ما أعتبره قصورا شديدا في العمل الدبلوماسي الخليجي.
التحولات السياسية والعسكرية السريعة التي طرأت على المنطقة في الآونة الأخيرة وفق خطة استراتيجية دولية جديدة تقضي بتفتيت دولها على أساس طائفي، ربما باتفاق تام مع إيران، وقد ظهرت بوادر هذه الاستراتيجية في احتلال مليشيا “داعش” للموصل والأنبار وصلاح الدين، وبالمقابل احتلت المليشيات الحوثية صنعاء بدفع مباشر من إيران، لتشكل بعد ذلك تهديدا مباشرا على الخليج والمملكة بصورة خاصة.
وفق السياقات السياسية الجارية في المنطقة، وما تقتضيه المصلحة الاستراتيجية، على المملكة العربية السعودية أن تبادر إلى فتح قنوات اتصال دبلوماسية وتجارية وثقافية مع إقليم كردستان السني، وكما تسعى إيران إلى الالتفاف حولها عن طريق الحوثيين الموالين لها، على المملكة أن تعمل بالمثل وتتخذ من الكرد حليفا استراتيجيا في منطقة استراتيجية تكتسب أهمية دولية يوما بعد يوم.