قطرات الماء الباردة التي لامست رؤوس الحجاج في قيظ عرفة لم تعصرها سحابة بيضاء مرت فوقهم بل أتت من قارورة مياه معدنية كان يضغطها الجندي أول خليل عبدالله شوك بكلتا يديه لتنزل رحمة على رؤوس ضيوف الله بالقرب من جبل الرحمة في لمسة إنسانية من جندي تجاوز خط التماس بين نص القانون وروحه، ومن المفرح أنه لم يكن وحيداً في إنسانيته فقد تناثرت الصور المضيئة على صفحات المواقع الاجتماعية لجندي يحمل طفلاً باكياً وآخر يأخذ بيد رجلٍ مسن ليعانق الحجر الأسود مما ملأ هذه الصفحات غبطةً لما سطره هؤلاء من رحمة ورفق.
الرحمة هي إحساس ينتابك عند رؤية دمعة طفلٍ تسيل على خده فتحرق خدك وقلبك أنت، هي أن تحس بجوع الجائع ومرارة المقهور وقلة حيلة الفقير، وأن تجتاز ما يجب أن تفعله إلى بعدٍ جديد وأرضٍ جديدة هي إحساسك بشعور ما تفعله تجاههم، سواءً كنت أباً أو طبيباً أو مدرساً أو جندياً أو شخصاً يعبر طريقه بجانب امرأة عجوز تبحث عن لقمة خبز تسد جوعها في مخلفات طعامٍ أمام بيتك.
لا يزال صوت بكاء ذلك الرضيع الذي ظهر في مقطع في اليوتيوب وهو يضرب بالعصا على قدميه وهو لا يعرف معنى الضرب ولكنه بأشهره القليلة كان قد تعلم معنى الإحساس بالظلم وعدم الرحمة، لم يكن ذلك المشهد وحيداً، بل تعداه إلى ضرب مسن وحرق حيوان ومقاطع تنافي الشعور الآدمي بالرحمة.
في صحيحي البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفمه حتى رقى فسقى الكلب فشكر الله فغفر الله له”.
“الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء” وصية سيدنا محمد الذي أرسل رحمةً للعالمين من الله عز وجل الذي وصف نفسه بالرحمن الرحيم.

