مع مرور الأيام تزداد القناعة بخطر البعد الاستهلاكيّ الذي نعيشه، وباستشراء هذا الداء في كافة شؤون الحياة تصبح المسألة أكثر تعقيدًا، وأعظم خطرًا، ومن تلك المخاطر تتجلى آفة الانتحال في البحث العلميّ الذي يمثل علامة لا يُستهان بها في تحديد دور الشعوب في المنجز الحضاريّ العالميّ، فالشعب الذي لا يزال يعيش حالة من الاستهلاك الرديء لا يمكن أن يحظى بموقع في خارطة الإنجاز المعرفيّة، أو سيبقى في هامش الإنجاز لا مركزه، ليظل تابعًا لا متبوعًا.
انطلقت مشاريع إثراء المحتوى المعرفيّ في الشبكة العنكبوتيّة منذ ما يزيد على عقدين، ولا تزال المشاريع العملاقة عالميًا وعربيًا تقدم خدماتها للباحثين مجانًا أو برسوم قليلة، لكن هذه الخدمات أضحت لدى بعضهم وسيلة لإعادة إنتاج الأعمال المنشورة دون إحالة إلى مرجع، أو توثيق هامش، ما أدى إلى كثرة أعمال السطو والسرقة لجهود الآخرين، وتقديمها باسم باحث مدعٍ ليس له سوى فضل نقل تلك الأعمال أو مقاطع منها وتذييلها باسمه، في سلوك قوامه استهتار (الباحث) وعدم مبالاته بالعقوبات المفروضة، أو قيام (الباحث) نفسه بإسناد مهمة البحث إلى أجير من ضعاف النفوس، وهو الذي لن يتورع عن القيام بالسطو على تلك الأعمال كونه كاتبًا في الظل ولن يردعه ضميره عن القيام بعمل ذلك طالما أخذ أجرة عمله الرديء.
استشعر رئيس إحدى الجامعات الأمريكية خطر الانتحال (الانترنتي) منذ زمن، بعد أن دشنت (قوقل) موقعين للباحثين هما: (قوقل سكولار) و(قوقل بوكس)، وهما موقعان يوفران المقالات المدرجة في الأول، والكتب المدرجة في الآخر، ودعا إلى ضرورة إيقاف المد (القوقولي) الذي يجعل من الباحثين غير جادين في إنتاجهم باعتمادهم السريع على ذلك المحرك، ولهذا استهلت الجامعات الغربية حملاتها للكشف عن المنحول من الرسائل والبحوث العلمية، فضلًا عن حملات التوعية المبكرة بمواقع الانتحال التي ينبغي على الباحث أن يتجنبها، ولم تدع إلى إهمال الانترنت أو التعامل معه، ولكنها دعت إلى ضرورة تحري الأمانة والدقة اللازمتين عند النقل منه، وإلا أصبح المشروع البحثيّ منتحلًا برمته، ومن ثمّ يكون لقوانين البحث العلمي الصارمة أن تسري على الباحث.
ربما يعود الفضل لذلك الانتشار السريع للانتحال في العالم العربي كله إلى عوامل منها: توفر المعلومة في محركات البحث ولاسيما (قوقل)، وسهولة الوصول إليها، إلى جانب عدم سريان حقوق النشر بصورة جادة في المواقع العربيّة، إذ من الممكن أن يتم ذلك العمل في إطار المصداقيّة المرجوّة، التي أصبحت في عداد الأموات مع غياب قوانين حقوق النشر، إلى جانب غياب مراكز الرصد الدقيقة التي يمكن أن تكشف هذا الانحلال المعرفيّ بيسر وسهولة، وأخيرًا غياب التوجيه المبكر لطلاب وطالبات الجامعات عن خطورة الانتحال، ومن ثم سنّ القوانين الصارمة وعدم تفعيل ما هو موجود منها.

